تتقاطع التحليلات السياسيَّة حَوْلَ التوتُّر الراهن بَيْنَ جمهوريَّة إيران الإسلاميَّة والولايات المُتَّحدة الأميركيَّة، بعد تصاعد سقف الخِطاب السياسي للرئيس الأميركي والَّذي تزامَنَ مع تحرُّك قِطَع حربيَّة وقوَّات عسكريَّة إلى الشرق الأوسط، منها حاملات طائرات ومدمِّرات، أدَّت إلى تصاعد التوتُّر في المنطقة، مع محاولة الولايات المُتَّحدة استغلال الاحتجاجات الشَّعبيَّة الداخليَّة في إيران. لكنَّ الدَّولة سيطرتْ على الأوضاع فانكفأت تلك الاحتجاجات بعد خروج مَسيرات شَعبيَّة أخرى داعمة للنظام الإسلامي في إيران.
حالة التوتُّر، وتصعيد لهجة الخِطاب، والتهديدات الأميركيَّة لم تتراجع خلال الأسابيع الماضية، في محاولة لجسِّ نبض إيران الَّتي واجهتِ التصعيد بإدارة سياسيَّة حصيفة، وموقف صلب مع توظيف عددٍ من أوراق القوَّة السياسيَّة والعسكريَّة، واستثمار التحالفات الدوليَّة مع اصطفاف خليجي وإقليمي رافض للخيار العسكري والتصعيد، تبعه إعلان خليجي يرفض استهداف إيران من أراضي دول الخليج؛ لذا فقَدْ برز الموقف الإيراني الصامد والحراك السياسي والعسكري الَّذي أكَّد على استعداد إيران على أيِّ استهداف، سواء كان محدودًا أو حربًا مفتوحة، كما تمَّ الإعلان عن مناورات عسكريَّة صينيَّة ـ روسيَّة ـ إيرانيَّة عزَّزتها حالة اليقظة والتوثُّب والتأهُّب الإيراني لصدِّ أيَّ عمل عسكري. بالمقابل هدَّدت إيران باستهداف القواعد الأميركيَّة ومراكز القيادة، واستهداف الكيان الصهيوني المحرِّض الأول، وهو ـ بلا شك ـ الحلقة الأضعف عِندَما تندلع مثل هذه المواجهات. كُلُّ تلك الحسابات جعلت الخيار العسكري يتراجع ولو مؤقتًا مع تصاعد الخيار التفاوضي، حيثُ بدأت بعض التسريبات الإعلاميَّة تتحدث عن تصاعد هذا الخيار الَّذي يُعَدُّ أكثر قَبولًا وآمِنًا لدى الطرفين. الخيار العسكري أيضًا غير مستبعد، سواء من قِبل الولايات المُتَّحدة أو من قِبل الكيان الصهيوني كما حدَث في حرب الـ(12) يومًا عِندَما تعرَّضت إيران لعدوان صهيوني في الوقت الَّذي كان فيه الاستعداد للجولة السادسة من المفاوضات بمسقط، حينها نفَّذت «إسرائيل» العدوان باستهداف عددٍ من المواقع الإيرانيَّة، واستهداف عددٍ من القيادات العسكريَّة والعلميَّة. لكنَّ إيران استعادتْ قدراتها الردعيَّة سريعًا، واستطاعت كبح جماح الكيان الصهيوني، فجاء التدخل الأميركي لإنقاذ «إسرائيل». اليوم إيران تدرك تمامًا أنَّ أيَّ حديث عن الخيار التفاوضي لا بُدَّ أن يكُونَ مقرونًا بضمانات وتعهُّدات بعدم الغدر أو الاستهداف خلال أيِّ عمليَّة تفاوضيَّة، بالمقابل تضع إيران حساباتها الاستراتيجيَّة وجاهزيَّتها القتاليَّة، وتأهُّب قوَّاتها المُسلَّحة لأيِّ عدوان أو استهداف لأراضيها، وقد استفادت من دروس حرب الـ(12) يومًا بتحصين مواقعها وتأمين قياداتها الروحيَّة والسياسيَّة والعسكريَّة، حيثُ لا تستبعد إيران استغلال العدوِّ أيَّ لحظة يتمُّ فيها استهداف قيادات كبيرة أو توجيه ضربات نوعيَّة على مواقع نوويَّة أو مواقع صواريخ باليستيَّة والَّتي تُمثِّل خطوط تأثير مهمَّة لإيران؛ لذا فإنَّ إيران تضع كُلَّ تلك المواقف ضِمن تقديرات موقفها السياسي والاستراتيجي والعسكري. بالمقابل تضع كُلّ القدرات الإيرانيَّة جاهزة للردِّ الفَوري، وأعلنت أنَّ أيَّ استهداف محدود أو نوعي يعني حربًا إقليميَّة، جاء ذلك على لسان المرشد الأعلى للثورة الإسلاميَّة في إيران الإمام علي خامنئي في إشارة واضحة بأنَّ الردَّ سيكُونُ من مختلف الجبهات.
إيران لم تغلق باب الخيار التفاوضي، وهناك دول إقليميَّة تدعم بقوَّة هذا الاتِّجاه. لكنَّ إيران تتحدث بلُغة واضحة وصريحة أن لا تفاوض على قدرات إيران العلميَّة ومشروعها الوطني فيما يتعلق بما توصَّلت إليه جمهوريَّة إيران من تقدُّم على يد خبرات وعلماء إيرانيين، سواء فيما يتعلق بقدراتها الدفاعيَّة والصاروخيَّة أو وقف مشروعها النووي السلمي الَّذي أكَّدتْ مرارًا أنَّه مصمَّم للأغراض السلميَّة، وهي مستعدَّة للتفاوض حَوْلَ نسبة التخصيب وأجهزة الطرد المركزيَّة، لكن لا يُمكِن الحديث عن دعم قوى المقاومة والقضيَّة الفلسطينيَّة؛ فالمقاومة مرتبطة بمبادئ الثورة الإسلاميَّة.
إيران اليوم وهي تحتفي بالذِّكرى السابعة والأربعين لقيام ثورتها تثبتُ أنَّها قادرة على مواجهة القوى المعادية، وتحاول بناء علاقات إيجابيَّة وتعاون مثمر مع قوى الجوار العربيَّة والإقليميَّة، وتفتح نطاق تحالفاتها مع قوى عالميَّة مثل روسيا والصين الَّتي تحترم سيادتها وحقَّها في إنجاز مشروعها الوطني. كما تفتح الباب للتعاون مع المحاور الدوليَّة بما فيها أوروبا والولايات المُتَّحدة بشرط الاحترام المتبادل، وعدم الاعتداء على مصالحها وقدراتها الوطنيَّة فيما فيه صالح السَّلام العالمي؛ لذا فقَدْ حقَّ لجمهوريَّة إيران الإسلاميَّة وشَعبها التفاخر بما توصَّلت إليه من تقدُّم بفضل كوادرها الوطنيَّة، وهي تدرك أهميَّة الحفاظ على الأمن والاستقرار الَّذي يُعَدُّ في صالح كُلِّ دول الإقليم.
خميس بن عبيد القطيطي