الثلاثاء 17 فبراير 2026 م - 29 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

باريس تتطلع إلى صفقة أخلاقية

باريس تتطلع إلى صفقة أخلاقية
الأربعاء - 04 فبراير 2026 06:57 ص

عادل سعد

80

•أن تتجهَ المؤسَّسة التشريعيَّة الفرنسيَّة إلى إصدار قانون خاص بالآثار؛ فالهدف التصدِّي لمُشْكلةٍ ما زالت قائمة وتخضع إلى المزيد من الاحتدامات بَيْنَ فرنسا وعددٍ من الدول الَّتي كانت خاضعة لها.

إنَّ القانون الَّذي تمَّ تداوله تشريعيًّا في الأيَّام القليلة الماضية يوفِّر غطاءً للحكومة الفرنسيَّة من أجْلِ إعادة آثار بُلدان أخرى كان الفرنسيون قدِ استولوا عليها ونقلوها إلى بلدهم خلال الحقبة الاستعماريَّة.

•حتَّى الآن، هناك اثنتا عشرة دَولةً إفريقيَّة بَيْنَها الجزائر تُطالِب باسترجاع آثارها الموزَّعة على عددٍ من المتاحف الفرنسيَّة، ويأتي الحراك في هذا الشأن تجاوبًا مع تفهمٍ أبداه الرئيس الفرنسي ماكرون لهذه المطالبات عام 2017 وبقِيَتْ تتجاذب حتَّى الآن.

•إنَّ الآثار المشمولة بالاستعادة هي الآثار الَّتي تمَّ نهبها خلال الفترة الواقعة بَيْنَ عامَي (1881ـ1972) وهي السنوات الَّتي كان الاستعمار الفرنسي نشطًا خلالها، ويمارس سلطته الغاشمة على دول مجموعة الفرنكوفونيَّة.

•لا شك أنَّ الخطوة تندرج ضِمن مسعى فرنسي للتنصُّل إن لم أقُل التبرُّؤ من النزعة الاستعماريَّة الَّتي كانت عليها. لكنَّ السؤال الجوهري: هل يُمكِن للقانون الجديد أن يحققَ إعادة كاملة لكُلِّ الآثار المنهوبة؟

•هناك شكوك إزاء ذلك، إذا أخذنا بحقيقة أنَّ العديد من الآثار الثمينة سيطر عليها فرنسيون ونقلوها إلى فرنسا كغنائم شخصيَّة لهم ويتمُّ عرضها بَيْنَ الحين والآخر في مزادات تجاريَّة لا ولاية للحكومة الفرنسيَّة عليها، بل تخضع لمافيات دوليَّة على درجة من التنظيم السِّري.

•عمومًا، المفيد من الخطوة القانونيَّة الجديدة، أنَّ فرنسا لم تَعُدْ قادرةً للدِّفاع عمَّا ارتكبته من أعمال خلال المرحلة الاستعماريَّة السابقة، كذلك هناك أسباب أخرى تتجاذب الموقف الفرنسي تتعلق بمطالبات من أجْلِ علاقات يحكمها العدل والنديَّة والتداول في المشتركات الأخلاقيَّة، الأمر الَّذي لا بُدَّ أن يوجبَ تخلِّي باريس عن كُلِّ ما سيطرتْ عليه بغير وجْه شرعي.

وثمَّة عامل آخر حرَّك الفرنسيين لإعادة تلك الآثار إلى أصحابها، ينسجم والتطلُّعات إلى المزيد من المصالح المشتركة، الأمر الَّذي يستدعي معالجة التركة الاستعماريَّة، ويجعل من فرنسا في منأى من نزعتها السابقة في الابتزاز والسرقة والاستحواذ والتفكيك الَّتي تراها منظَّمة اليونسكو انتهاكات حقوقيَّة، علمًا أنَّ اليونسكو تتَّخذ من باريس مقرًّا لها، وليس بعيدًا عن ذلك فلسفة سياسيَّة تلحُّ الآن على العقل الفرنسي للتخلُّص من الوصمة الاستعماريَّة. وتحضرني هنا إشارات أوردها الطبيب والفيلسوف فرانز فانون الَّذي تعود أُصوله إلى جُزر المارتينيك.

•لقد طرح فانون في كِتابَيْنِ له (بشرة سوداء وأقنعة بيضاء) و(معذبو الأرض)، كيف تمادى الاستعمار الفرنسي في محاولات لتغييب ذاكرة البلدان الَّتي خضعت لفرنسا وتجريدها من هُوِيَّاتها التاريخيَّة وتجهيلها بإرثها الوطني، كما من المناسب أن أشيرَ أيضًا إلى كِتاب المستشرقة الألمانيَّة زيجريد وهونه في كِتابها (شمس الله تشرق على الغرب)، كيف استغلَّت أوروبا آثار البُلدان النامية.

•كما يحضرني أيضًا ما أشار إليه الباحث الدكتور حسين الهنداوي عن تَبلْوُر هامش أوروبي بخصوصيَّة فرنسيَّة للاعتراف بفضل الشعوب الأخرى على أوروبا حضاريًّا.

•بالمقابل، إنَّ إعادة تلك الآثار يندرج ضِمن مساعٍ وطنيَّة من تلك الدول لتجميع فرص أوسع تعزيزًا لعُمقها التاريخي، وما تُمثِّله الآثار من وثائق داعمة له.

•بخلاصة تحليليَّة أخرى، هناك ربح غير مباشر للمنطق الَّذي ينشده العالم بنظام دولي عادل لا مكان للاستحواذ الغاشم فيه.

عادل سعد

كاتب عراقي

[email protected]