منذُ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شهر أكتوبر الماضي أنَّه أوقف الحرب في غزَّة، سقط أكثر من خمسمئة ضحيَّة بقصف وتفجير قوَّات الاحتلال الصهيوني لمناطق مختلفة من شمال القِطاع إلى رفح جنوبًا قرب الحدود مع مصر. لم تتوقف المجازر والتدمير كما أعلن ترامب في قمَّة شرم الشيخ للسلام قَبل أكثر من ثلاثة أشْهُر. ووصل عدد الضحايا من الفلسطينيين إلى ما يقارب اثنين وسبعين ألف شهيد، من بَيْنِهم مئات آلاف الأطفال. ومنذُ العام الماضي، زادت وتيرة هجمات الاحتلال من قوَّاته ومستوطنيه الإرهابيين المُسلَّحين على الفلسطينيين في القدس والضفَّة الغربيَّة يقتلونهم بدم بارد، ويهدمون بيوتهم، ويدمرون مزارعهم، ويطردونهم من أحيائهم وبلداتهم. وإلى جانب إخلاء أحياء في القدس والضفَّة من أصحابها السكَّان الأصليين وتمكين المستوطنين منها، هناك أيضًا عمليَّات نقل الفلسطينيين من غزَّة تحت دعاوى إنسانيَّة مثل الرحلات المشبوهة إلى جنوب إفريقيا.
بَيْنَما يجري الحديث عن «المرحلة الثانية» من خطَّة غزَّة، ويعلن ترامب عن «مجلس سلام برئاسته» وعضويَّة أهله وجماعته، تتواصل مجازر الإبادة الجماعيَّة. ويُعزِّز الاحتلال كارثة الفلسطينيين باستمرار حصار التجويع لدفعهم لمغادرة بلادهم في عمليَّة «ترانسفير» يصرُّ عليها الصهاينة ولا يعترض عليها الأميركيون. بالإضافة للحصار القاتل، الَّذي تفاقم من آثاره الظروف المناخيَّة القاسية إلى حد القتل، يدعم الاحتلال عصابات موالية له في غزَّة لتفجير اقتتال داخلي يقضي على أرواح الفلسطينيين من ناحية، ويبرِّر بقاء الاحتلال واستدامته من ناحية أخرى. كُلُّ ذلك يجري يوميًّا، بل كُلَّ ساعة في غزَّة والضفَّة، والعالم مشغول بلمفَّات إبستين وأسعار الذَّهب والفضَّة وغيرها. صحيح أنَّه منذُ بداية حرب الإبادة الجماعيَّة قَبل أكثر من عامين، لم يفعل العالم الكثير وهو يشهد أبشع عمليَّة تطهير عِرقي في تاريخ البشريَّة تتجاوز الفاشيَّة والنازيَّة وكُلَّ الإرث الأوروبي والعالمي من المحارق والمجازر. فباستثناء دول قليلة مثل جنوب إفريقيا وغيرها الَّتي رفعت دعاوى ضدَّ الاحتلال العنصري أمام المحاكم الدوليَّة وبعض السياسيين والبرلمانيين والفنَّانين الَّذين ما زالت لدَيْهم إنسانيَّة اكتفت بقيَّة العالم بإبداء الأسف على أرواح الأبرياء ودمار الأحياء أو انتقد بعضهم ذلك على استحياء.
لا جدال في أنَّ أهل غزَّة يستفيدون من أنَّ أيَّ تراجع للقصف الكثيف والتدمير الدائم والقتل اليومي بالعشرات والمئات. ومنذُ أكتوبر الماضي تراجعت بالفعل وتيرة الإبادة الجماعيَّة الَّتي يمارسها الاحتلال، وإن لم تتوقف. ولعلَّ في ذلك متنفس لسكَّان غزَّة القابضين على الجمر ولا يعنيهم كثيرًا ما نكتبه ونقوله من تحليلات وتنظير. ففي النهاية نحن «أيدينا في الماء» وهم «أيديهم في النار». إنَّما في ظل استمرار القتل وحرب الإبادة الجماعيَّة والدَّفع باتِّجاه التهجير يبدو واضحًا أنَّ «خطَّة غزَّة» لم تكُنْ سوى محاولة أميركيَّة لإنقاذ قيادة الاحتلال الصهيوني من نفسها. فقد كانت شدَّة الإبادة بدأت تجعل الاحتلال يفقد القدرة على ترويج روايته الملفَّقة ويخسر «الحرب الإعلاميَّة» كما قال رئيس حكومته وأركان المعارضة. وكانت المظاهرات والاحتجاجات بدأت تقلق الحكومات، للأسف في الغرب وليس في منطقتنا، ما أصبح ينذر باحتمالات انقلاب الرأي العام الغربي المؤيِّد لـ»إسرائيل» بشكل أعمى.
كانت مبادرة ترامب بشأن غزَّة إذًا في واقعها إنقاذًا للاحتلال أكثر منها حرصًا على الفلسطينيين ولو من باب الإنسانيَّة حتَّى. وبالفعل استطاع الاحتلال إخماد ما كان بدأ من غضب جماهيري في الغرب وتفادى أيَّ تبعات محتملة. بل وانصرف الإعلام عن المجازر اليوميَّة في غزَّة من اغتيال الأطفال جوعًا وبردًا أو قصف الاحتلال لجنازة أو تجمع لمشرَّدين يبحثون عن طعام وبشكلٍ يومي حتَّى الآن. لقد نجحتْ «خطَّة غزَّة» في عمليَّة يُمكِن تسميتها «تطبيع الإبادة الجماعيَّة». بمعنى أن يستمر الاحتلال في اقتلاع الفلسطينيين، سواء بالقتل قصفًا وتفجيرًا في عمليَّات متفرقة أو بطردهم من أماكنهم كما في القدس والضفَّة، ولاحقًا دفع سكَّان غزَّة إلى خارجها بمبرِّرات إنسانيَّة وغيرها. ويُسهم ذلك بوضوح في تغيُّر تعامل العالم مع الإبادة الجماعيَّة للفلسطينيين؛ أي أنَّها تصبح أمرًا معتادًا يقترب من كونه تطورًا طبيعيًّا. هذا التطبيع للإبادة الجماعيَّة الَّذي نقصده يتعلق بالغرب وبقيَّة العالم. أمَّا في منطقتنا فالأغلبيَّة ـ للأسف ـ في حالة «تطبيع لا إرادي» ليس فقط مع الإبادة الجماعيَّة للفلسطينيين، وإنَّما لكُلِّ الجرائم اليوميَّة الَّتي يرتكبها الاحتلال الصهيوني في المنطقة كُلِّها.
أتصوَّر أنَّنا الآن بحاجة لمضاعفة الجهد لاستعادة الزخم العالمي لا نقول المؤيِّد للحقِّ الفلسطيني، وإنَّما ـ على الأقل ـ المناهض للجرائم ضدَّ الإنسانيَّة الَّتي يواصل الاحتلال ارتكابها. ما زالت هناك «كتلة صلبة» في العالم تقف ضدَّ تلك الجرائم ولا يخفت صوتها منددًا بالإبادة الجماعيَّة، وفاضحًا لعنصريَّة الاحتلال في فلسطين. لكنَّ الزخم الأكبر الَّذي كان بدأ في الصَّيف الماضي يجعل القِطاعات الأوسع من الجماهير الغربيَّة تغيِّر موقفها من الاحتلال وتنتبه إلى أنَّ ما يقوله السياسيون وحتَّى تغطيات الإعلام ليست إلَّا مداراة للحقيقة هو الَّذي يحتاج الاستعادة. فتلك القِطاعات من الرأي العام العالمي هي الَّتي استهدفت بعمليَّة تطبيع الإبادة الجماعيَّة. وبِغَضِّ النظر عن الموقف من مبادرة ترامب ومجلسه لغزَّة، ودُونَ جعلها هدفًا بالنَّقد أو الاعتراض غير المؤثِّر، نحتاج للتركيز على جرائم الاحتلال اليوميَّة الَّتي لم تتوقف.
د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري