الخميس 05 فبراير 2026 م - 17 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : الاستثمار أداة لبناء النفوذ الاقتصادي

الأربعاء - 04 فبراير 2026 03:51 م

رأي الوطن

30

يُعِيدُ الاستثمار رسْمَ علاقة الدَّولة باقتصادها، فهو الفعل الَّذي تُترجم به الرُّؤى إلى واقع، وتتحول عَبْرَه الخطط من نصوص إلى طاقة إنتاجيَّة قابلة للتَّراكُم؛ لذا حين يُدار الاستثمار بوعي استراتيجي، يغادر خانة الإنفاق لِيصبحَ أداةَ بناءٍ، ويتجاوز منطق الاستجابة الظرفيَّة نَحْوَ قرار طويل النفَس يُعِيدُ تشكيل الهيكل الاقتصادي، ويُحدِّد أيَّ القِطاعات تَقُود النُّمو وأيّها يظلُّ هامشيًّا. في هذا الإطار لا تُقاس جدوى الاستثمار بحجمه، وإنَّما بقدرته على خلْق قِيمة مضافة، وتوطين معرفة، وبناء سلاسل إمداد قادرة على الصمود أمام تقلُّبات الأسواق. ومن هذا المنطلَق يُمكِن قراءة إطلاق جهاز الاستثمار العُماني حزمة مشروعات صناعيَّة كبرى مع مطلع الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة؛ بوصفه تعبيرًا عمليًّا عن هذا الفَهْم، حيثُ يأتي الخبر كترجمة مباشرة لفلسفة استثماريَّة اختارت الإنتاج والتَّراكُم الاقتصادي طريقًا واضحًا للمستقبل.

تتجلَّى الرُّؤية بصورة أعمق حين يوضع الإعلان عن المشاريع في سياق التحوُّل الجاري داخل بنية الاقتصاد العُماني، حيثُ لم تَعُدِ الصناعة التحويليَّة خيارًا تكميليًّا، وأصبحتِ المساحة الَّتي تختبر فيها الدَّولة قدرتها على الانتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد يصنع قِيمته داخل الحدود. وما يلفت الانتباه في حزمة المشروعات الَّتي أطلقها جهاز الاستثمار العُماني أنَّها تتحرك في أكثر من اتِّجاه، لتبني شبكة مترابطة من الأنشطة الصناعيَّة، تمتدُّ من الطَّاقة المُتجدِّدة إلى الصناعات البحريَّة والكيماويَّات المتقدِّمة، في محاولة واعية لخلقِ سلاسل قِيمة مكتملة لا جُزر إنتاج معزولة. وهذا التنوع المدروس يعكس قراءة دقيقة لمخاطر الاعتماد على قِطاع واحد، ويؤسِّس لاقتصاد قادر على امتصاص الصَّدمات عَبْرَ توزيع مراكز الإنتاج والمعرفة، كما أنَّ التركيز على الشراكات الدّوليَّة المقترنة بتوطين التقنيَّة يكشف عن إدراك بأنَّ الدخول إلى سلاسل الإمداد العالميَّة يتحقق عَبْرَ امتلاك حلقات إنتاج حقيقيَّة تمنح الاقتصاد موقعًا تفاوضيًّا أقوى، هكذا تتحول المشروعات من استثمارات قائمة بذاتها إلى بنية صناعيَّة متشابكة، ترفع من كفاءة الاقتصاد، وتمنحه قدرة على النُّمو بثبات.

إنَّ لُغة الأرقام تأتي لتثبيت المعنى، فحين نتحدث عن استثمارات تتجاوز (935) مليون ريال عُماني في شهر واحد من عمر الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة، فنحن أمام تدخُّل اقتصادي محسوب يعكس وزن القرار لا زخمه؛ فهذه المشروعات تَعِد بأكثر من (1850) فرصة عمل مباشرة، وهو رقم مهمٌّ في ذاته، غير أنَّ دلالته الأعمق تكمن في نوعيَّة هذه الوظائف المرتبطة بالهندسة، والتصنيع، والخدمات الفنيَّة، والصناعات المتقدِّمة، وهو ما يعني نقْلَ سوق العمل خطوة إضافيَّة نَحْوَ القِيمة. ويكفي التوقف عِندَ مشروع البولي سيليكون في صحار باستثمار يقارب (700) مليون ريال وتوفير (1012) وظيفة مباشرة، أو مشروع الصناعات الكيماويَّة بطاقة إنتاجيَّة تصل إلى (700) ألف طن سنويًّا في صحار، إضافة إلى (425) ألف طن من المواد المغذِّية، لِنفهمَ أنَّنا أمام أرقام تُعِيد تعريف مفهوم العائد الاستثماري ذاته. العائد هنا لا يقتصر على النَّاتج المحلِّي، ويشمل إحلال الواردات، وتوسيع قاعدة الصادرات غير النفطيَّة، وخلْق طلبٍ متنامٍ على سلاسل توريد محليَّة تمتدُّ من المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة إلى الخدمات اللوجستيَّة. بهذه القراءة، تتحول الأرقام من مؤشِّرات كميَّة إلى أدلَّة على مسار اقتصادي يراهن على العُمق الصناعي، لا على التوسُّع السريع، وهو رهان ينسجم مع الدَّوْر الَّذي يضطلع به جهاز الاستثمار العُماني في إعادة توجيه الاستثمار نَحْوَ أثَرٍ قابل للاستدامة.

وتكتمل الصورة حين تُقرأ هذه المشروعات بوصفها إعلانًا صريحًا عن معنى التنويع، كما ورد في الرُّؤية السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ في هذه المرحلة، وهو تنويع يَقُوم على القدرة التشغيليَّة لا على توزيع المخاطر نظريًّا. ما نشهده هنا هو انتقال هادئ من خِطاب التنويع إلى ممارسته عَبْرَ صناعات تمتلك قابليَّة التَّراكُم، وتفتح مسارات للتصدير، وتربط الاستثمار العام ببناء قاعدة إنتاجيَّة طويلة الأمد. وهي ما تمنح الاقتصاد العُماني موقعًا أكثر ثباتًا داخل محيط إقليمي شديد التنافس، وتُعِيدُ تعريف دَوْر سلطنة عُمان كمركز صناعي ولوجستي قادر على استيعاب التحوُّلات العالميَّة في الطاقة والصناعة وسلاسل الإمداد، لِتمثِّلَ هذه الحزمة من المشروعات خطوة تأسيسيَّة في مسار أوسع يستهدف تحويل الموقع والجغرافيا والموارد إلى قِيمة اقتصاديَّة قابلة للاستدامة، وهو مسار يتَّسق مع رؤية «عُمان 2040»، حيثُ يصبح الاستثمار أداةً لبناءِ النفوذ الاقتصادي الهادئ.