مسقط ـ العُمانية: لم يعد حضور المرأة العُمانية الشابة في القطاعات غير التقليدية استثناءً لافتًا أو مجرد مؤشر اجتماعي على المساواة، بل بات مسارًا وطنيًّا راسخًا تدعمه الخطط الاستراتيجية التي تضع الاقتصاد القائم على المعرفة، والابتكار، والتقنيات المتقدمة، والاستدامة في صميم أولوياتها.
وفي مشهد يعكس هذا التحول، تبرز كفاءات شابة عُمانية في قطاعات نوعية مثل الطاقة والمعادن، والأمن السيبراني، والهندسة الكيميائية، والذكاء الاصطناعي، وهندسة المعدات الطبية، حيث لم تعد المرأة شريكًا في التنفيذ فحسب، بل فاعلًا رئيسًا في التخطيط، وصناعة القرار، وتطوير الحلول المستقبلية.
وفي هذا السياق، يتحدث عدد من الشابات العُمانيات العاملات في هذه المهن، ورصد قصصهن الوظيفية المهنية، وفهم طبيعة أدوارهن، وكيف يسهم عملهن اليومي في دعم الاقتصاد الوطني وبناء المستقبل.
في البداية تقول زينب بنت علي السعدي مدير دائرة الصحة والسلامة والبيئة بوزارة الطاقة والمعادن، إن التكوين العلمي والتدريب المتخصص في قطاع الطاقة والمعادن، ثم في مجال الصحة والسلامة والبيئة، قد أسهما في بناء قاعدة معرفية ومهنية متينة، ساعدت على فهم طبيعة القطاع ومتطلباته التنظيمية والتشغيلية، ومكّنت من اكتساب المهارات اللازمة للعمل بكفاءة ضمن أحد أكثر القطاعات ذات المتطلبات العالية في بيئة العمل.
ووضحت أن التدريب العملي والمباشر في بيئات العمل شكّل عاملًا رئيسًا في تحويل المعرفة النظرية إلى ممارسة عملية واعية، وتعزيز القدرة على إدارة المخاطر والالتزام بمعايير السلامة والاستدامة. كما أن اختياري للمسارات العملية غير التقليدية جاء منطلقًا من قناعاتي بأهميته الاستراتيجية للاقتصاد الوطني، ودوره المحوري في تحقيق التنمية الشاملة، إضافة إلى رغبتي في الإسهام الفاعل في قطاع تُعد فيه الصحة والسلامة والبيئة من الركائز الأساسية لضمان الأداء المسؤول، وصون الموارد، وتعزيز الاستدامة.
وأضافت قائلة: لقد خضت خلال مسيرتي العملية تجربة تطوير وتأهيل متعددة الجوانب، فبدأت بالحصول على درجة البكالوريوس في هندسة البترول والموارد المعدنية (تخصص فرعي هندسة كيميائية وبتروكيميائية) من جامعة السلطان قابوس، ثم الابتعاث إلى المملكة المتحدة والحصول على ماجستير سلامة العمليات ومنع الخسائر من جامعة شيفيلد. وأسهم الجانب العملي في مشروعات التخرج في تعميق المعرفة ومعالجة بعض التحديات الواقعية في بيئات العمل، كما التحقت ببرنامج تدريب على رأس العمل في شركة تنمية نفط عُمان لمدة عام ونصف كمهندسة إنتاج، إضافة إلى برنامج عمل جزئي لمدة ستة أشهر في الجمعية العُمانية للطاقة في مجال معايير الصحة والسلامة والبيئة. ومثّلتُ قطاع النفط والغاز في البرنامج الوطني للحياد الصفري سابقًا، ما أتاح لها فرصة العمل في أحد البرامج الوطنية المنبثقة من رؤية عُمان 2040، فضلًا عن اكتساب خبرات ميدانية من خلال زيارة مواقع العمليات المختلفة.
بناء قاعدة
وفي مجال الأمن السيبراني، قالت إيمان بنت محمد بن خميس الرواحي، مدير دائرة أمن المعلومات الإلكترونية بمحافظة مسقط: «شكّلت المعرفة العلمية والمهارات التقنية الركيزة الأساسية لانطلاق مسيرتي في مجال الأمن السيبراني، حيث بدأت الرحلة ببناء قاعدة معرفية متينة في تقنية المعلومات، شملت فهم أنظمة التشغيل، والشبكات، وقواعد البيانات، إلى جانب البرمجة وتحليل الأنظمة. هذا الأساس العلمي أتاح لي فهم البنية الرقميّة الحديثة وطبيعة تفاعل مكوّناتها، وهو ما يُعد عنصرًا جوهريًّا في استيعاب التهديدات السيبرانية وأساليب الحد من مخاطرها، خاصة في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي تشهده المؤسسات اليوم.
وأشارت في حديثها إلى أن الاطلاع المستمر على أفضل الممارسات العالمية، والمتابعة الدائمة للمراجع المهنية والتقارير المتخصصة في مجالات الأمن السيبراني والحوكمة، أسهمت في تعزيز الجانب التطبيقي وربط المعرفة النظرية بالواقع العملي. وقد انعكس ذلك بشكل واضح في مجالات حماية المعلومات، وفهم طبيعة الثغرات الأمنية، وتطوير الأطر التنظيمية بما يتلاءم مع احتياجات العمل المؤسسي ومتطلبات الاستدامة الرقمية.
ووضحت من الجانب العملي، كان التواصل المباشر بالأنظمة والمشاركة في إعداد السياسات والإجراءات الأمنية، ومتابعة الامتثال للمتطلبات المعتمدة، دور مهم في صقل المهارات المهنية وبناء رؤية أشمل لطبيعة التحديات السيبرانية. كما أن مواكبة التطورات التقنية المتسارعة، مثل الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، أسهمت في توسيع دائرة الوعي بالتحديات المستجدة، وضرورة تبني حلول مرنة قادرة على التكيف مع بيئات تقنية متغيرة.
الأسس العلمية
وأكدت المهندسة ابتسام بنت خميس الهلوني، رئيس قسم إدارة المواد الكيميائية بدائرة إدارة المواد الكيميائية والنفايات بهيئة البيئة على أن الأسس العلمية والتطبيقية التي شكّلت مسارها في الهندسة الكيميائية متعددة؛ حيث إنها جمعت بين فهم جميع الأسس العلمية الصلبة المرتبطة بمجال الهندسة الكيميائية، والميول والاهتمام ببعض المجالات والمواد الدراسية مثل (الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، والأحياء)، ومجالات الكيمياء التطبيقية مثل (الكيمياء غير العضوية، الكيمياء العضوية، الكيمياء التحليلية، حالات المادة وتحولاتها، الطاقة وتحولاتها في العمليات الكيميائية، التفاضل والتكامل، ميكانيكا الموائع «التعامل مع تدفق السوائل والغازات»، والكيمياء الفيزيائية، وكذلك مبادئ الهندسة التطبيقية مثل (الديناميكا الحرارية، انتقال الحرارة والمادة، تصميم المفاعلات، ديناميكا العمليات والتحكم)، لتحويل المواد الخام إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية، بالإضافة إلى تحسين العمليات الصناعية بكفاءة وفاعلية بيئية واقتصادية في قطاعات مثل البتروكيماويات، والأدوية، والأغذية، والأسمدة، وصناعة الأصباغ.
وأضافت أن ارتباط الهندسة الكيميائية بحياتنا اليومية، والاستخدامات المتعددة للمنتجات الناتجة من عمليات الهندسة الكيميائية، لعبت دورًا كبيرًا في مسيرتي في هذا المجال (التخصص)، إضافة إلى الحس الأمني، ومهارات البحث، وشغف معرفة التفاصيل المتعلقة بالمواد الكيميائية وهندستها وازدواجية استخدامها، كما كانت من ضمن الأسس التي شكّلت مساري في هذا المجال (التخصص).
وحول المحفزات التي قادتها لاختيار هذا التخصص الدقيق المرتبط بالصناعة والابتكار، قالت إن الأهمية الكبيرة لتخصص الهندسة الكيميائية باعتباره من أهم التخصصات الرئيسية المطلوبة على نطاق واسع، ولها تأثير كبير على اقتصاد الدول، ومعظم ممارستنا الحياتية تعتمد على الهندسة الكيميائية، حيث إن المواد التي يتم التعامل معها بشكل يومي هي نتيجة توظيف المفاهيم العلمية والهندسية في عملية تحويل المواد الخام إلى منتجات، وشغف تطوير الصناعات وتحويل المواد الخام، وحل التحديات المرتبطة بالطاقة والبيئة، والتطبيقات الواسعة لتخصص الهندسة الكيميائية في المجالات الحيوية كالأدوية والأغذية والمنسوجات، بالإضافة إلى التركيز على الابتكار لإنتاج عمليات أكثر كفاءة وصديقة للبيئة.
تحول نوعي
وقالت هاجر بنت ناصر الشندودي، مهندس معدات طبية في القطاع الخاص، إن هندسة المعدات الطبية تمثل تحولًا نوعيًا في مفهوم الوظائف الهندسية غير التقليدية، إذ تتجاوز حدود الهندسة التقليدية المرتكزة على التصميم والإنتاج لتدمج المعرفة الطبية والعلوم الرقمية الحديثة. فالمهندس الطبي لا يكتفي بالخبرة في الميكانيكا أو الإلكترونيات، بل يحتاج إلى فهم عميق للفيزياء الحيوية، وعلم الأحياء، والتشريح، وبرمجيات تحليل البيانات، مما يتيح له تصميم أجهزة دقيقة وآمنة تلامس حياة الإنسان بشكل مباشر. وبهذا تتحول الوظائف الهندسية من تصنيع منتجات مادية إلى أدوار استراتيجية تساهم في تحسين الصحة والعلاج الطبي، وهو ما يعكس تحولًا نوعيًّا في مسؤولية المهندسين ودورهم داخل المنظومة الصحية.
وأشارت إلى أن الهندسة الطبية تلعب دورًا متكاملًا في تطوير الأجهزة الطبية وتحسين كفاءتها التشخيصية والعلاجية، وضمان موثوقيتها التشغيلية. فالأجهزة الحديثة، مثل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي أو أجهزة التنفس الاصطناعي، تعتمد على تكامل المكونات الميكانيكية والإلكترونية مع البرمجيات الذكية، لتحليل البيانات الطبية في الوقت الفعلي ومراقبة الأداء بدقة. كما يسهم المهندس الطبي في تصميم نظم صيانة ذكية وضبط معايير التشغيل لضمان استدامة الأداء وسلامة المرضى.
مؤكدة على أنه في ضوء التطورات الرقمية، يمكن لهندسة المعدات الطبية استشراف مستقبل الرعاية الصحية من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، بما في ذلك التشخيص المبكر للأمراض وتحليل البيانات الضخمة لدعم القرار الطبي. كما يمكن للروبوتات الجراحية والطباعة ثلاثية الأبعاد للأعضاء تحسين فعالية العلاج ودقته، بما يعزز مفهوم الطب الشخصي الذي يتكيف مع احتياجات كل مريض. ويرافق هذه الابتكارات تحديات تقنية وأخلاقيّة تشمل حماية البيانات الصحية، وضمان سلامة الأجهزة، وعدم الإفراط في الاعتماد على التكنولوجيا على حساب الخبرة الطبية البشرية. وإدارة هذه المخاطر تتطلب وضع معايير صارمة للاختبار والتنظيم، إلى جانب تصميم مستدام للأجهزة لضمان استمرارية الأنظمة الصحية.