أبرز الادعاء العام في مؤتمره الصحفي السنوي حصيلة ما تم إنجازه خلال عام 2025، متناولًا بشكلٍ مستفيض مجمل القضايا التي تعامل معها، والتي تجاوز عددها 55 ألف قضية، بنسبة نمو بلغت 19% مقارنة بالعام الماضي. وهو ما يضع الادعاء العام أمام مسؤوليات وطنية كبيرة، تستدعي التعامل الجاد مع هذا الارتفاع المتزايد في عدد القضايا.
ورغم أن البعض قد يرى في هذا التصاعد نتيجة طبيعية للحراك الاجتماعي والتطور الاقتصادي والتقني، إلا أن هذه المؤشرات في الوقت ذاته تتطلب وقفة جادة ودراسة متأنية لأسبابها ومسبباتها، ومحاولة قراءة الواقع عن قرب، ووضع الحلول الكفيلة بالحد منها، خاصة القضايا المرتبطة بالجوانب الاجتماعية، مثل ارتفاع حالات الطلاق، والتحرش، والاغتصاب، والسرقة، والاحتيال، وغيرها من القضايا التي بدأت تظهر بشكلٍ لافت في المجتمع العُماني. وهي قضايا وإن كانت تعد دخيلة في السابق، إلا أنها اليوم أصبحت واقعا مفروضا بفعل العديد من المتغيرات والتقلبات الديموغرافية، والانفتاح على الثقافات الأخرى، وما صاحب ذلك من تأثيرات في سلوكيات الأفراد وتفكيرهم وتعاطيهم مع محيطهم الاجتماعي.
إن الشفافية التي يتعامل بها الادعاء العام في طرحه، وحرصه على توضيح الصورة كاملة أمام المجتمع فيما يتعلق بالقضايا التي تشغل الرأي العام، تحمل أبعادا ونتائج إيجابية، من أبرزها توعية المجتمع وتعزيز الثقافة القانونية، لما لها من أهمية في ترسيخ القيم القانونية في تعاملات الأفراد والمؤسسات مع البيئة الاجتماعية والاقتصادية، وتنمية روح الرقابة الذاتية. وهو ما يتطلب من الفرد أن يكون على دراية ووعي بما يدور من حوله من قضايا مجتمعية، بما يسهم في تنمية روح المعرفة والاطلاع والمبادرة والمسؤولية.
ومن هنا يبرز دور الادعاء العام في عرض الصورة بكل تفاصيلها، من خلال تقديم معلومات كافية عن طبيعة القضايا وأنواعها وأسبابها، والتطرق في الوقت ذاته إلى قضايا كانت وما تزال بحاجة إلى توضيح، مثل قضية عائلة العامرات – رحمهم الله – وقضية مياه الشرب الإيرانية، وغيرها من المواضيع التي أثارت جدلا واسعا. وقد كان سعادة المدعي العام حريصا ودقيقا في توضيح ملابسات هذه القضايا، الأمر الذي أسهم في الإجابة عن العديد من التساؤلات التي ظلت مطروحة خلال الفترة الماضية.
وهنا تتجلى أهمية التعامل مع هذا النوع من القضايا من خلال استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، وعدم التسرع في إطلاق الأحكام دون بيانات أو معلومات دقيقة، وهو ما حذر منه سعادة المدعي العام، مؤكدًا ضرورة تحري الحقائق، وعدم ترك المجال للتفسيرات والتحليلات غير المستندة إلى معلومات موثوقة.
وبغض النظر عن القضايا والأرقام التي طُرحت في المؤتمر الصحفي للادعاء العام، فإن المؤتمر حمل في طياته العديد من الرسائل والرؤى التي تستوجب التوقف عندها، والعمل على ترجمتها إلى منظومة عمل مشتركة تقوم على تعزيز الثقافة القانونية، وتطوير الأدوات الإعلامية، من خلال بناء رسالة إعلامية موحدة بين مختلف الجهات، بما يسهم في رفع مستوى الوعي، خاصة في القضايا التي تمس سلوكيات المجتمع وتعاملاته اليومية. وهو ما من شأنه الحد من هذه القضايا، وضبط السلوكيات التي يرفضها المجتمع العماني وتتعارض مع قيمه ومبادئه.
إن التوجه العام لسلطنة عُمان، وما تحمله السنوات القادمة من حراك اقتصادي واجتماعي وتقني، يتطلب أن يكون الادعاء العام على درجة عالية من الجاهزية المادية والبشرية، بما يؤهله لاستيعاب الأعداد المتوقعة من البلاغات والقضايا، في ضوء المؤشرات المعلنة للسنوات الخمس الماضية. ولعل من أبرز هذه الجوانب تعزيز المنظومة التقنية للجهاز، بما يسهم في احتواء الطلبات وتسريع إجراءات البت فيها، إلى جانب دعم الكادر البشري، لما له من دور في تسريع الفصل في القضايا. كما يحسب للادعاء العام نجاحه في تعزيز فكرة تقديم البلاغات إلكترونيًا، وهو اتجاه مهم يتطلب الدفع به بشكلٍ أكبر، وهو ما أكده سعادة المدعي العام خلال المؤتمر.
ويبقى المجتمع هو الشريك الأصيل والداعم الحقيقي لجهود الادعاء العام في أداء رسالته الوطنية، فنجاح المنظومة العدلية لا يكتمل إلا بوعي مجتمعي مسؤول، يقوم على الالتزام بالقيم النبيلة التي شكلت هوية المجتمع العماني عبر تاريخه، والإلمام بالقوانين والتشريعات التي تنظم حياة الأفراد وتحفظ الحقوق وتصون المكتسبات. كما أن الابتعاد عن المظاهر السلبية والدخيلة، وتعزيز ثقافة احترام النظام، والتعاون الإيجابي مع الادعاء العام في الإبلاغ عن التصرفات غير القانونية، يمثل حجر الأساس في ضبط السلوكيات وحماية النسيج الاجتماعي.
إن بناء مجتمع يحافظ على منجزاته ويصون مكتسباته، لا يتحقق بالقانون وحده، بل بتكامل الجهود بين المؤسسات والأفراد، وبغرس قيم الوعي والمسؤولية والانتماء، وصولا إلى تنشئة جيل واعٍ، متحاب، ومتماسك، يراعي مصالح الجميع، وينبذ كل ما يتعارض مع قيمه ومبادئه، ليبقى المجتمع العماني نموذجا في التوازن والاستقرار وسيادة القانون.
مصطفى المعمري
كاتب عماني