السبت 07 فبراير 2026 م - 19 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

القرآن الكريم وفن الدبلوماسية «إتيكيت التعامل مع المرأة» «1»

القرآن الكريم وفن الدبلوماسية «إتيكيت التعامل مع المرأة» «1»
الثلاثاء - 03 فبراير 2026 07:48 ص

د. سعدون بن حسين الحمداني

20

نلاحظ ونقرأ كثيرًا عن المدارس الدبلوماسيَّة بأنَّها تتسابق بوضع بنود بروتوكول وإتيكيت المرأة، سواء من ناحية التصرف أو الظهور بمظهر جميل وحسن أو التميز في العمل، أو من خلال أُسلوب التفاني بكُلِّ مفردات شخصيَّتها وتصرفها داخل البيت مع زوجها وعائلتها أو مع حياتها المهنيَّة، وغير ذلك من مختلف أنشطة الحياة اليوميَّة وكثيرًا ما تدرس لُغة الجسد في أوروبا للمرأة لِكَيْ تكُونَ هي نواة الأُسرة المستقرة والسعيدة.

في حين نرى أنَّ المدرسة الإسلاميَّة ورسولنا الكريم أعطى أرقى الأمثلة للعالم أجمع، ووضع كُلَّ القواعد السَّامية والرصينة الَّتي حافظت على المكانة المحترمة للمرأة في كُلِّ شؤون الحياة، وجعلها الجوهرة الَّتي لا ينطفئ ضياؤها لأهميَّة المرأة في شأن رُقي المُجتمعات بدءًا من العائلة الصغيرة، وصولًا إلى بناء المُجتمعات الكبيرة، حيثُ هناك من القصص في السِّيرة النبويَّة والآيات الكريمة من قرآننا الكريم ما يجعلنا نحن القدوة في إعطاء الأهميَّة للمرأة. أبدَى القرآن الكريم اهتمامًا كبيرًا بالمرأة والتعامل معها، حيثُ قال الله تبارك وتعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً...) الروم (21). إنَّ المودَّة والرحمة هما الحُب الفطري المتبادل الَّذي يديم الحياة الزوجيَّة لِتكُونَ هنا المرأة هي سكن الزوج وراحته، وتكُونَ لُغة المخاطبة بَيْنَ الاثنين لُغة الحنان والمحبَّة لِتمحوَ آثار ومشقَّة الحياة اليوميَّة للزوج، وهذا الحُب أحد الأسباب الرصينة في بقاء العلاقة الزوجيَّة وديمومتها، وعلى الرجُل أن يعاملها بكُلِّ معاني الاحترام والمساعدة في شؤون حياتها اليوميَّة حتَّى تستمرَّ الحياة الزوجيَّة بكُلِّ سلاسة، ويكُونُ عنوانها السعادة.

قال تعالى:( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى) (34) الأحزاب. وهنا درس ربَّاني لجميع النّسوة، وكيف أن تكُونَ حياتهنَّ وشخصيَّاتهنَّ في البيت، وفي الآية الكريمة شطران مهمَّان أوَّلهما وهي كلمة (وَقَرْنَ) وهي إحدى مشتقات كلمة الوقار في اللُّغة العربيَّة، وعلى المرأة أن تكُونَ ذات شخصيَّة متميزة في بيتها لِتكُونَ قدوة لأبنائها من حيثُ الاعتناء بنفسها والتصرف معهم بحكمة القائد المتواضع المحنَّك الوقور، والجزء الثاني هو عدم التبرُّج ويقصد به المكياج المبتذل والصارخ، وحتَّى التبختر في المشي، وإظهار معالم الجسم؛ لأنَّ ذلك من علامات الجاهليَّة، ولأنَّ جسم المرأة هو من حقِّ زوجها فقط، وليس إظهار معالمه في الأسواق والأماكن العامَّة لِينظرَ إليها الجميع، وبالتَّالي تفقد قِيمتها. لقد كانت سيِّدتنا فاطمة الزهراء(رضي الله عنها) قمَّة في التواضع وخدمة بيتها وتربية أبنائها، فهي تقف مع زوجها في سرَّائه وضرَّائه، وتُعِينه على نوائب الدَّهر وعاديات الزَّمن. من أهمِّ ما جاء به القرآن الكريم إنصاف المرأة وتحريرها من ظلم الجاهليَّة وظلامها، ومن تحكُّم الرجُل في مصيرها بغير حق؛ فكرَّم القرآن المرأة وأعطاها حقوقها بوصفها إنسانًا، وكرَّمها بوصفها أُنثى، وكرَّمها بوصفها بنتًا، وكرَّمها بوصفها زوجةً، وكرَّمها أُمًّا، وكرَّمها بوصفها عضوًا في المُجتمع. لقد جاء الإسلام وبعض الناس ينكرون إنسانيَّتها، ويعدُّوها مخلوقًا خُلق لخدمة الرجُل، فكان من فضل الإسلام أنَّه كرَّم المرأة، وأكَّد إنسانيَّتها، وأهليَّتها للتكليف، والمسؤوليَّة والجزاء ودخول الجَنَّة، وعدَّها إنسانًا كريمًا، لها كُلُّ ما للرجُل من حقوق إنسانيَّة؛ لأنَّهما فرعان من شجرة واحدة، فهما متساويان في أصل النشأة، متساويان في الخصائص الإنسانيَّة العامَّة، متساويان في التكليف والمسؤوليَّة، متساويان في الجزاء والمصير، وفي ذلك يقول القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) سورة النساء: (1). بمعنى كُلُّ الناس ـ رجالًا ونساءً ـ خلَقَهم ربُّهم من نفسٍ واحدة، وجعل من هذه النفْس زوجًا يكملها، وتكتمل به.. كما قال تعالى في آية أخرى (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) سور الأعراف: (2).

كرَّم الإسلام المرأة ورفع قدرها، وليس المُجتمع الغربي أو المدارس الدبلوماسيَّة الَّتي وضعتْ وكتبتْ حقوق وواجبات المرأة في المُجتمع الحديث في عصر النهضة في القرن الخامس عشر الميلادي. بَيْنَما ما نلاحظه أنَّ القرآن الكريم والسِّيرة النبويَّة قد سبقتهم بـ(1400) سنَة، ويظهر ذلك في الكثير من المظاهر والدلائل، منها: قال النَّبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: (إنَّما النساءُ شقائقُ الرجالِ)، وفي ذلك بيانٌ جليٌّ أنَّ النساء مساوياتٌ للرجال في القدر والمكانة، فلا يوجد شيءٍ ينتقص مكانتهنَّ وقِيمتهنَّ، ولقد كانت وصيَّة النَّبي ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بالنساء، والأمر بمراعاتهنَّ والاهتمام بهنَّ دائمًا، إذ قال في وصيَّته يوم الحجِّ: (استوصُوا بالنِّساءِ خيرًا).

د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت