الأربعاء 04 فبراير 2026 م - 16 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : آثار شبه الجزيرة العمانية.. شاهد ينطق بالمجد

أضواء كاشفة : آثار شبه الجزيرة العمانية.. شاهد ينطق بالمجد
الثلاثاء - 03 فبراير 2026 07:55 ص

ناصر بن سالم اليحمدي

300

تُعَدُّ شِبه الجزيرة العُمانيَّة درَّة من درر التاريخ وكِتابًا فريدًا مفتوحًا لمن يريد أن يقرأ أخبار السلف من الأوائل على صفحات جبالها وبحارها وصحاريها وواحاتها الَّتي رسمت جميعها ملامح حضارة عريقة ضاربة في جذور الزمن.. بداية من سلاسل جبال الحجر في الشمال، مرورًا بالسواحل الطويلة الساحرة المطلَّة على بحر العرب وخليج عُمان، وانتهاءً بالصحراء في الداخل والَّتي شكَّلت جميعها أنماطًا معيشيَّة واقتصاديَّة تنوَّعت بَيْنَ الزراعة والتجارة والنشاط البحري.

كما أنعم الله على سلطنة عُمان بوضعها في مفترق طُرق بَيْنَ الشرق والغرب بإطلالتها على بحر العرب وخليج عُمان، ومضيق هرمز أحد أبرز الممرَّات البحريَّة العالميَّة لِتكُونَ جسرًا للتجارة وموطنًا لشَعب عرف معنى الاستقرار قَبل أن تعرفه أُمم كثيرة.. فلم تكُنْ أرضها قاحلة كما توهَّم بعضهم، بل كانت كريمة بأهلها تمنحهم ما يحتاجون من ماء وزرع وتفتح لهم البحر بابًا للرزق والمعرفة.

إنَّ مَن يتتبع آثار شِبه الجزيرة العُمانيَّة يجدها تاريخًا طويلًا من الحضارة العريقة بدأت منذ فجر الألف الثالث قَبل الميلاد بدءًا من العصر الحجري، مرورًا بالعصور البرونزيَّة والحديديَّة، وصولًا إلى العصور الإسلاميَّة.. ففي بات والخطم والعين شيّدت المقابر الحجريَّة على هيئة خلايا النحل لِتشهدَ على الاستيطان البشري من خلال مُجتمع منظّم يؤمن بالحياة وما بعدها ويحسن البناء ويجيد التخطيط.. فهذه القبور لم تكُنْ مجرَّد مدافن، بل مرآة تعكس وعي الإنسان العُماني القديم وإدراكه لقِيمة الخلود.. ناهيك عن الاكتشافات الأثريَّة الَّتي أثبتت مكانة سلطنة عُمان التاريخيَّة كمصدر لتعدين النحاس وتصديره.. إلى جانب دَوْر السَّلطنة الحيوي في الرَّبط بَيْنَ حضارات العالم القديم من خلال الرّحلات التجاريَّة البحريَّة والبَرِّيَّة والَّتي كان لها بُعد ثقافي واجتماعي ودِيني إلى جانب البُعد الاقتصادي.

ولو تأمَّلنا أيضًا السواحل العُمانيَّة سنجد أنَّ لها باعًا طويلًا ضاربًا في جذور التاريخ حيثُ علَتْ راية الملاحة والتجارة.. ففي سمهرم والبليد بظفار تبرز أهميَّة اللبان ذلك الكنز العطري الَّذي جلب إلى عُمان التجار من أصقاع الأرض وربط اسمها بالمعابد والقصور في بلاد بعيدة.. وما زالت أطلال الموانئ والأسوار تحكي عن سفن شقَّت عباب البحر وعن رجال جعلوا من الريح رفيقًا ومن النجوم دليلًا.

ولو توجَّهنا نَحْوَ الداخل في قلب البلاد سنجد نزوى شامخة بما تضمُّه من العِلم والإمامة وقلعتها المنيعة الَّتي دارت فيها حلقات الفِقه وترددتْ أصوات العلماء فصارت المدينة مثالًا على اقتران السُّلطة بالعِلم والدِّين بالحياة.. ولا تقلُّ عنها شأنًا بهلاء بقلعتها العظيمة وأسوارها الممتدَّة الَّتي تشهد على زمن كانت فيه العمارة درعًا والمدينة كيانًا حيًّا يدافع عن نفسه.. بالإضافة إلى القلاع والحصون المنتشرة في أرجاء السَّلطنة من جعلان إلى الرستاق، ومن صور إلى صحار، وكُلُّها شواهد على عصور من الصراع والحماية، وعلى مُجتمع أدرك قِيمة الاستعداد والحكمة.. فالحصن في عُمان لم يكُنْ موضع حرب فحسب، بل مركز حكم وإدارة ومأوى للناس عند الشدائد.

ولا ننسى الأفلاج الَّتي تتجلى فيها عبقريَّة الإنسان العُماني.. ذلك الإبداع الَّذي حيَّر العقول وجمع بَيْنَ الهندسة والعدالة الاجتماعيَّة.. لأنَّ الأفلاج ليست مجرَّد قنوات للماء، بل هي نظام حياة تقسم فيه المياه بالعدل وتحفظ به الحقوق في انسجام بديع بَيْنَ الإنسان والطبيعة.. وقد بقِيَتْ هذه الأفلاج تجري قرونًا طويلة وكأنَّها عروق الأرض الَّتي لا تنضب.

أمَّا اليوم فإنَّ سلطنة عُمان تواصل الاستفادة من موقعها الجغرافي عَبْرَ تطوير موانئها ومناطقها اللوجستيَّة مستندة إلى إرث بحري عريق ورؤية تنمويَّة تستثمر في الموقع والإنسان معًا.. ومؤخرًا انطلق المؤتمر الدولي الأول لآثار شِبه الجزيرة العُمانيَّة بمشاركة نَحْوِ (100) عالم وباحث ومتخصِّص في عِلم الآثار من داخل السلطنة وخارجها، وبتنظيم بَيْنَ وزارة التراث والسياحة وجامعة السُّلطان قابوس احتفاء باليوبيل الذهبي لمرور خمسين عامًا على صدور مجلة الدراسات العُمانيَّة، وهذا المؤتمر يعكس جهود الدَّولة لصون التراث والتنمية الثقافيَّة.

إنَّ آثار عُمان ليست أطلالًا صامتة.. بل هي شاهد حق ينطق بالمجد، وذاكرة أُمَّة لم تنقطع صلتها بماضيها، وقلب ينبض بالهُوِيَّة ويقاوم النسيان.. فهي تعلِّمنا أنَّ الحضارة لا تقاس بارتفاع المباني، بل بعُمق الجذور.. ولا تحفظ بالقوَّة وحدَها ولكن بالوعي والوفاء.

وهكذا تبقى شِبه الجزيرة العُمانيَّة أرضًا يقف فيها الزمن منصتًا لروايات الحجر وهمسات البحر وعظمة التاريخ الَّذي لا يموت.. أرضًا تفتح ذراعيها للمستقبل بثقة من يعرف من أين أتى وإلى أين يمضي؟

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني