الأحد 08 فبراير 2026 م - 20 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : عندما تولد القوانين من رحم الأزمات.. مقاربات قيمية وإنسانية فـي حوكمة الأطر وتعظيم المكاسب الاجتماعية

في العمق : عندما تولد القوانين من رحم الأزمات.. مقاربات قيمية وإنسانية فـي حوكمة الأطر وتعظيم المكاسب الاجتماعية
الثلاثاء - 03 فبراير 2026 07:50 ص

د.رجب بن علي العويسي

10


تمثل الأزمات والحالات الطارئة محطة تحول في حياة المُجتمعات والدول، إذ تتجاوز كونها أحداثًا استثنائيَّة ذات آثار وقتيه، لتصبح مرحلة جديدة كاشفة للبنية القِيَميَّة والأخلاقيَّة في المُجتمع وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتعظيم أخلاق الأزمات ومواطنه الأخلاق في التعامل مع الأبعاد الناجمة عنها، وحفز الطاقات الوطنيَّة نَحْوَ صناعة التغيير، وتوظيف الفرص والمنغصات، وإنتاج القوَّة ورفع مستوى الجاهزيَّة الوطنيَّة والتعبئة للقِيَم الوطنيَّة وتجسيد الأخلاق والقِيَم العُمانيَّة والدِّينيَّة والوطنيَّة في مواجهة الأزمات وإدارتها. ومرآة لمدى نضج الوعي الجمعي، واختبارًا حقيقيًّا لقدرة المُجتمعات على الصمود والتكيُّف وإعادة إنتاج ذاتها. فالأزمات لا تُقاس فقط بحجم الخسائر الماديَّة أو البشريَّة الَّتي تخلِّفها، بل بما تتيحه من فرص لإعادة ترتيب الأولويَّات، وتقييم السياسات، وإعادة صياغة العلاقة بَيْنَ الإنسان والدَّولة، وبَيْنَ المُجتمع والقانون.

وفي هذا الإطار، تبرز الأزمات في كونها مساحات تأمل واستحضار الحدث، لإعادة بناء التماسك الاجتماعي، واستنهاض الطاقات الوطنيَّة، وتعزيز منظومة الأخلاق العامَّة، وترقية أخلاق الأزمات، حيثُ يتقدَّم الحسُّ الإنساني، وتتراجع النزعات الفرديَّة، ويعلو مستوى التضامن والمسؤوليَّة المشتركة. كما تشكِّل الأزمات مختبرًا عمليًّا لاختبار فعاليَّة القِيَم الوطنيَّة والدِّينيَّة والاجتماعيَّة، وقدرتها على الانتقال من حيِّز الخِطاب إلى ميدان الممارسة.

لقد أكَّد الخِطاب السَّامي لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ـ هذه الرؤية العميقة، حين جاء في عاطر النطق السَّامي: «تُمثِّلُ الأزماتُ، والتحدِّياتُ، والصعوباتُ سانحةً لأنْ تختبرَ الأُممُ جاهزِيَّتَها، وُتعَزِّزَ قُدراتِها، وقد فتحت الأزمةُ الراهنةُ المجالَ للطاقاتِ الوطنيَّة؛ لِتُسهِمَ بِدَوْرها في تقديمِ الحلولِ القائمةِ على الإبداع ِوالابتكارِ، وسَرَّعَت من وتيرةِ التحوُّلِ إلى العملِ الرَّقميِّ وتوظيفِ التقنيَّة، في مجالاتِ العملِ الحكوميِّ والخاص، على نَحْوٍ لم يكنْ لِيَجِدَ الاستعدادَ اللازمَ، والاستجابةَ المناسبةَ، الَّتي وجَدَهَا في هذهِ الظروف».

ومن هذا المنطلَق، تصبح الأزمات محطَّات لالتقاط الأنفاس، ومراجعة المسار، وإعادة إنتاج الواقع الاجتماعي والقِيَمي، بما يحفظ تماسُك المُجتمع ويُعزِّز لحمته. فهي في الوقت ذاته ميدان تنافس واختبار للقوَّة الفكريَّة، بما تحمله من منصَّات للإبداع والابتكار والتطوير، واختبار للقوَّة الروحيَّة، بما تعكسه من أصالة الهُوِيَّة، ورسوخ المبادئ، وسُمو الأخلاق. ففي الأزمات، تتجلَّى حقيقة الأفراد، وتبرز القِيَم الَّتي يحملونها، وتنعكس في سلوكهم وممارساتهم، لِتصبحَ مؤشرًا على نضج الشخصيَّة الفرديَّة والجمعيَّة.

وتبرز في هذا الإطار الهُوِيَّة الوطنيَّة بوصفها ركيزة أساسيَّة في مواجهة الأزمات، حيثُ تُشكِّل القِيَم والعادات والتقاليد رصيدًا معنويًّا واستراتيجيًّا يوجِّه السلوك الجمعي، ويمنح المُجتمع القدرة على الثبات في وجْه المتغيرات المتسارعة، كونها منظومة فاعلة من القِيَم والممارسات الَّتي تتجسد في الأوقات الصعبة، وتنعكس في روح المبادرة، والعمل التطوعي، والالتزام بالتعليمات، والثقة بمنظومات الدَّولة ومؤسَّساتها، والوقوف صفًّا واحدًا مع توجيهات القيادة في مواجهة التحدِّيات.

وقد جسَّدت التجربة العُمانيَّة في إدارة الأزمات والتعامل مع الحالات الطارئة نموذجًا متقدمًا في الإدارة الوطنيَّة الكفؤة والفاعلة في إدارة الأزمات والحالات الطارئة وبناء وعي جمعي مُجتمعي قادر على أن يؤسِّس لمنهج عُماني متفرد في الإدارة والسيطرة والتخطيط بناء السيناريوهات والمحافظة على المكوِّن البشري والمكتسبات الوطنيَّة، حيثُ برزتِ الشخصيَّة العُمانيَّة بما تحمله من إرث حضاري وقِيَمي متجذر، انعكس في سلوك إنساني راقٍ، وتكافل اجتماعي واسع، واستعداد للتضحية، والتزام عالٍ بالتوجيهات الصادرة عن الجهات المختصَّة. لِتعبِّرَ هذه الممارسات عن ثوابت وطنيَّة راسخة، ومنهج حياة أصيل، شكَّل عَبْرَ التاريخ مصدر قوَّة واستقرار للمُجتمع العُماني.

لقد عايش العُمانيون الأزمات والحالات المداريَّة الَّتي تعرضت لها سلطنة عُمان على مدى السنوات المتعاقبة، فأنتجوا من خلالها شواهد إثبات على قدرة العُمانيين على إدارة الأزمات والحالات الطارئة والتعاطي معها بكُلِّ جديَّة، عزَّز من صبرهم وعطائهم واندماجهم والتزامهم بتوجيهات القيادة الحكيمة ورؤية الدَّولة ومنظوماتها ومؤسَّساتها المعنيَّة، لِتبقَى إرادة العُمانيين في التعامل معها نموذجًا أصيلًا في مواجهة التحدِّيات والتعامل مع أخلاق الأزمات وتجريب القِيَم في مواقع العمل وميدان الممارسة ومنصَّات الالتزام وقواعد السلوك، كما أسْهَم ذلك في تمكين لحمتهم الاجتماعيَّة وتعاونهم وتكاتفهم نَحْوَ بناء حصون شامخة وجسور ممتدَّة تعزز فيها روح الإصرار والبناء والعمل بروح الفريق الواحد، تستنطق فيهم قِيَم التعاون والحُب والتآلف والتعاضد، كما هي مبادئ دِينهم وأخلاقهم وسِيرتهم في الأوَّلين والآخرين، وهُوِيَّتهم الَّتي عرفهم العالم بها وسجيَّتهم الَّتي شهدتْ لها الأرض قاصيها ودانيها، وقد امتدحهم سيِّد الخلق ورسول البشريَّة، فحق لهم من مكرمة، وأنعم به من فخر، لِتكُونَ شاهد إثبات على حجم التغيير النوعي الَّذي صنعته هذه الأحداث في إنسان هذا الوطن المعطاء وحجم الجاهزيَّة الَّتي أثبتها في بناء أرصدة نجاحات قادمة، إنَّها عزيمة الإنسان العُماني في أصالته وعراقته وحضارته ونبله وإنجازاته الَّتي ظلت ماثلة للتأريخ لِتصنعَ للعالم نموذجًا حضاريًّا في حُب الأوطان وبناء الإنسان بعزيمة التحدي وإصرار المواجهة وروح التفاؤل وسلوك المبادرة في العمل معًا.

عليه، فإنَّ رصد المكاسب الاجتماعيَّة الكثيرة الَّتي أنتجتها الأزمات يضعنا أمام قراءة معمقة لمنظومة القِيَم الَّتي حافظ عليها المُجتمع العُماني، وجعلها حاضرة في سلوكه اليومي. فقد أصَّلت الأزمات للوعي والجاهزيَّة الاستباقيَّة وبناء السيناريوهات المحكمة، الأمر الَّذي انعكس على تكامليَّة البنية التشريعيَّة والمؤسَّسيَّة وترابطها ومرونتها وارتباطها بالميدان عَبْرَ اللَّجنة الوطنيَّة لإدارة الحالات الطارئة واللجان الفرعيَّة لها في المحافظات لِتضعَ في أولويَّاتها الجاهزيَّة القَبليَّة والبَعديَّة، وتعظيم الوعي المُجتمعي في تقليل الخسائر، وعن قِيمة العمل الجماعي والتنسيق المؤسَّسي، وعن مركزيَّة الإنسان، فهو الهدف الأسمى لأيِّ سياسات أو تشريعات. كما أعادت الاعتبار لمفاهيم إنسانيَّة أصيلة، كالتطوع، والتراحم، والتكافل، والمسؤوليَّة المشتركة، واحترام النظام، وتقديم المصلحة العامَّة.

غير أنَّ هذه المكاسب، على أهميَّتها، تبقى خاملة وغير فاعلة، إن لم تُؤطَّر ضِمن أُطر تشريعيَّة وتنظيميَّة واضحة، قادرة على تحويل الممارسات الإيجابيَّة إلى سياسات مستدامة، وضبط السلوكيَّات السلبيَّة، ومنع تعارض العادات والتقاليد مع ثوابت الهُوِيَّة الوطنيَّة أو الإضرار بالمواطن والمُجتمع. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحَّة إلى تشريعات تُنتج من رحم الأزمات، تستلهم دروسها، وتستوعب معطياتها، وتحوّلها إلى قواعد عمل مؤسَّسيَّة. ويصبح التشريع، في هذا الإطار، معادلة القوَّة في صناعة التحول الشامل، وتعظيم الفرص الناتجة من الأزمات وتحويلها إلى مكاسب مُجتمعيَّة، ما يؤكد اليوم على أهميَّة أن يضع التشريع في اعتباره هذا المدخل في تعظيم إنتاجيَّته، بحيثُ لا يكُونُ استجابة متأخرة أو معالجة سطحيَّة، بل مقاربة استباقيَّة شاملة، تنطلق من فهمٍ عميق للواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والنفسي، وتضع الإنسان في قلب القرار التشريعي. وهو ما يتطلب حوكمة فعَّالة للأطر والأدوات، تقوم على التكامل بَيْنَ الجهات، والشراكة مع المُجتمع، والاستفادة من الخبرات الوطنيَّة، وتوظيف التقنيَّة الحديثة، وتعزيز الشفافيَّة والمساءلة.

إنَّ إنسانيَّة القانون أحد أهم مخرجات هذه المقاربة، إذ يسعى إلى ترسيخ القِيَم في السلوك العام، وتعزيز الوعي الحقوقي والقانوني، وتكريس الممارسات النوعيَّة الراقية، وجعلها جزءًا من الثقافة المُجتمعيَّة. فالقانون، حين يُبنى على أساس قِيَمي وإنساني، يتحول من أداة ضبط إلى أداة تمكين، ومن نصٍّ جامد إلى ممارسة حيَّة، ومن التزام مفروض إلى قناعة ذاتيَّة. فهو عين الواقع الاجتماعي في احتوائه وانسجامه وارتباطه بقدسيَّة الأرض الطيِّبة، وتمكين الإنسان من رفع سقف جودة الممارسة والالتزام بالمبادئ وحسِّ المسؤوليَّة، وإطارًا يَضْمن للمشاعر والأذواق والوعي والقناعات الإيجابيَّة، والسلامة في المبدأ، والثبات في قواعد العمل، والمتانة في المرتكزات، حضورها المستمر في شخصيَّة الإنسان العُماني؛ لِمَا يُمثِّله القانون من نهضة للوعي، وانتصار لإرادة المواطن المخلِص في ولائه وانتمائه لوطنه عَبْرَ ما يسطِّره من قوَّة إنجاز، ويُسهم به من بصمة حضور في مواقع العمل والمسؤوليَّة، ونموذج عملي يستنهض فيه الإنسان العُماني عزيمة العطاء، وإرادة البناء، وجديَّة المبادرة، وعظمة الوطن، وقِيمة التكافل والتعاون، ويستنطق فيه قِيَم الخيريَّة والصلاح والإصلاح والأخلاقيَّات والمبادئ الدِّينيَّة والروحيَّة.

أخيرًا، تبقى الأزمات، بما تحمله من تحدِّيات ومنغِّصات، نافذة أمل جديدة في قراءة العمق الإنساني، واستحضارها في المنجز التشريعي، بما يفتح المجال أمام مرحلة متقدمة من العمل التشريعي الناضج، الَّذي ينطلق من الشعور الجمعي بمكانة الإنسان، واحترام إنسانيَّته، وتعظيم موارده، واحتواء مشاعره، محطَّات تضع المؤسَّسات التشريعيَّة والسُّلطة التنفيذيَّة المنفذة للقوانين، أمام استحضار هذه الحقائق والغوص في أعماق فلسفة بناء الإنسان، وسلامه الداخلي.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]