تكشف أرقام المناقصات الحكوميَّة لعام 2025 عن تحوُّل لافت في طريقة التفكير تجاه الاستثمار العام، تحوُّل يتجاوز قراءة العدد إلى تفكيك القِيمة، ويتعامل مع المشروع بوصفه قرارًا اقتصاديًّا طويل الأمد لا بندًا إنفاقيًّا. فانخفاض عدد المناقصات مقابل القفزة الكبيرة في قِيمتها الماليَّة يرسم ملامح نهج جديد يَقُوم على التركيز، والانتقاء، وربط كُلِّ مشروع بأثَره المحتمل داخل منظومة الاقتصاد الكُلِّي، لِتتراجعَ فكرة تشتيت الموارد على مشروعات صغيرة متفرقة، ويصعد منطق المشاريع الاستراتيجيَّة القادرة على تحريك سلاسل قِيمة كاملة من التشغيل إلى المحتوى المحلِّي، ومن البنية الأساسيَّة إلى التنافسيَّة، وهو ما يعكس وعيًا بأنَّ التنمية تقاس بقدرتها على خلْق تراكم اقتصادي حقيقي، واستقرار إنفاقي، ومردود قابل للاستدامة. ومن هذا المنطلَق تصبح الأرقام الصادرة عن هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلِّي قراءة سياسيَّة بقدر ما هي ماليَّة، قراءة تقول إنَّ الدَّولة تُعِيد تعريف دَوْرها من مموِّل للمشروعات إلى صانع لمسارات اقتصاديَّة أكثر عمقًا وانضباطًا، مسارات تُراهن على الأثَر قَبل السرعة، وعلى القِيمة قَبل الكثرة.
يأتي تراجع الأوامر التغييريَّة خلال عام 2025 بوصفه مؤشِّرًا كاشفًا لتحوُّل أعمق في فلسفة إدارة المشروعات العامَّة، تحوُّل يضع التخطيط المسبق في صدارة القرار، ويقلِّص مساحة الارتجال الَّتي طالَما استنزفتِ الوقت والموارد. فانخفاض عدد الأوامر التغييريَّة وقِيمتها لا يحمل دلالة فنيَّة فقط، وإنَّما يعكس انتقالًا واعيًا من منطق معالجة الأخطاء بعد التنفيذ إلى منطق إحكام القرار قَبل الطرح، حيثُ يُعاد تعريف المشروع منذ لحظة التصوُّر الأولى، وتغلق منافذ التمدُّد غير المحسوب في التكاليف والجداول الزمنيَّة، لتتغيَّر كفاءة الإنفاق من بند رقابي لاحق إلى أداة سياسيَّة اقتصاديَّة استباقيَّة، تضبط إيقاع السوق، وتحدِّد سقف المخاطر، وتمنح المال العام وظيفة إنتاجيَّة واضحة، هذه المقاربة تعكس نضجًا مؤسَّسيًّا يرى في الانضباط المالي شرطًا للتنمية المستدامة، لا قيدًا عليها، ويقرأ الأرقام الصادرة عن هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلِّي باعتبارها ترجمةً عمليَّة لِفَهْمٍ جديد لِدَوْر الدَّولة، دَوْرٍ يوازن بَيْنَ الطموح والاستدامة، ويقدِّم الجودة والتخطيط على التوسُّع السريع، بما يُعزِّز الثقة ويؤسِّس لمسار إنفاق أكثر صلابة وقدرة على التراكم.
إنَّ الأرقام المرتبطة بتوسُّع قاعدة الشركات المسجَّلة تعطي هذه القراءة وزنها الحقيقي، حيثُ بلغ إجمالي الشركات المسجَّلة خلال عام 2025 نَحْوَ (12,724) شركة بنسبة نُموٍّ لافتة وصلت إلى (202?) مقارنةً بالعام السابق، بَيْنَما استحوذت المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة على (58?) من إجمالي التسجيلات الجديدة بـ(1,639) شركة.. هذه الأرقام تعكس نجاحًا تشريعيًّا وتنظيميًّا في فتح السوق وتوسيع دائرة المشاركة، وتضع في الوقت ذاته هذا القِطاع أمام اختبار عملي يتجاوز فكرة الدخول إلى القدرة على التنفيذ والانضباط والجودة. من هذا المنطلَق، يتحول المحتوى المحلِّي من نسبة مستهدفة إلى أداة فعليَّة لإعادة تنظيم سلاسل التوريد وربط المشروعات الحكوميَّة بقدرات إنتاج وطنيَّة قادرة على الاستمرار؛ فالتَّمكين هنا لا يعني الحماية، بل يعني خلق بيئة تنافسيَّة عادلة يبقى فيها الأكثر كفاءة، ومن هذا المنظور تُقرأ هذه القفزة الرقميَّة بوصفها مرحلة فرز صحِّي داخل السوق، تَقُودها هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلِّي ضِمن رؤية تهدف إلى بناء اقتصاد يَقُوم على الشراكة والإنتاج، لا على الاتِّساع الشكلي وحده. تتضح الصورة الكاملة حين تقرأ منظومة المشاريع والمناقصات بوصفها أداة سياديَّة لإدارة الاقتصاد لا جهازًا إداريًّا معنيًّا بالإجراءات فقط؛ فالتوازن الواضح بَيْنَ الطرح والإسناد، والانضباط المالي، وتوسيع قاعدة المشاركة، يكشف عقل دولة يُعِيد ضبط السوق بدل دفعه بسيولة غير محسوبة، فالفارق بَيْنَ ارتفاع قِيمة المناقصات المطروحة، وتراجع الإسناد في عام 2025 يعكس اختيارًا واعيًا لإيقاع أبطأ وأكثر انتقائيَّة، إيقاع يمنح الجودة أولويَّة ويجعل الحوكمة معيارًا، ويؤسِّس ثقة طويلة الأمد مع قِطاع الأعمال.. وفي هذا الإطار تؤدي هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلِّي دَوْر المنسّق بَيْنَ الطموح التنموي وحدود المخاطر، وتتحول من جهة طرح إلى عقلٍ ينظِّم العلاقة بَيْنَ الدَّولة والسوق وفْقَ قواعد شفَّافة وتنافسيَّة، هكذا تُقرأ أرقام 2025 بوصفها ملامح مسار اقتصادي يعلي من قِيمة القرار، ويربط الإنفاق بالأثَر، ويؤسِّس نموذج تنمية أكثر توازنًا وقدرة على التراكم، نموذجًا يرى في الانضباط قوَّة، وفي التخطيط استثمارًا، وفي الشراكة قاعدةً لبناء المستقبل.