السبت 07 فبراير 2026 م - 19 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : تربية الأبناء على الذوق الحسن واحترام الشعور الجمعي العام ضرورة

في العمق : تربية الأبناء على الذوق الحسن واحترام الشعور الجمعي العام ضرورة
الاثنين - 02 فبراير 2026 07:58 ص

د.رجب بن علي العويسي

30


رغم أنَّ مسألة الذَّوق والمزاج العام نسبيَّة وترتبط بجملة من المتغيِّرات الشخصيَّة والمكانيَّة والزمانيَّة، فإنَّها في المقابل تستدعي قناعة إنسانيَّة بأنَّ الاختلاف في الذَّوق بَيْنَ الناس أمر فطري وطبيعي لا يُمكِن تجاوزه أو إنكاره، إذ لا يتشابه الناس في أذواقهم واتجاهاتهم ورؤيتهم للجَمال أو المقبول والمستحب، ولكن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يكُونَ عائقًا في التواصل بَيْنَهم أو سببًا في تصادم القِيَم وتنافر السلوك، بل ينبغي أن يُستثمر في الوصول إلى التكامليَّة الإنسانيَّة وإيجاد مشتركات عامَّة يُمكِن أن يتحرك في ضوئها المُجتمع، ويتفهم خلالها الآباء والأُمَّهات والأُسرة والمدارس ومؤسَّسات التربية والتنشئة الاجتماعيَّة طبيعة هذا الاختلاف الإنساني، فينشأ الأبناء على احترام التنوع وتقدير الاختلاف المفضي إلى التكامل، ذلك أنَّ مسألة الذَّوق ليست جامدة ولا محصورة في شكل واحد، ومع ذلك فهو محكوم بمنظومة قِيَميَّة وأخلاقيَّة تضبط حركته وتمنحه معناه الأصيل. وما هو مقبول في مُجتمع قد لا يكُونُ كذلك في آخر، وما كان يُمثِّل الذَّوق في أبسط صوَره في زمن مضى قد لا يتقبله جيل اليوم بالصورة نفسها، ولأنَّ الذَّوق في نتيجته النهائيَّة سلوك حضاري يُعَبِّر عن وعي الفرد بذاته وبمُجتمعه وبمسؤوليَّته تجاه الآخرين، لذلك كانت تربية الأبناء على الذَّوق الحسن والشعور الجمعي العام ضرورة تربويَّة وحياتيَّة في بناء الشخصيَّة المعاصرة في عالم سريع التغيُّر شديد التحوُّلات.

يُمثِّل الذَّوق الحسن أحد معايير السلوك الرشيد والأداء المتوازن المُعَبِّر عن رُقي الذَّات وترفُّعها عن السقطات أو العيب، فيتحوَّل من مجرَّد تفكير لحظي أو ممارسة وقتيَّة إلى قِيمة مضافة ومنهج حياتي وسلوك مستدام مرتبط بشخصيَّة الفرد وتكوينه الفكري والوجداني والنفسي، يوجّه لصالح بناء الشخصيَّة وتنمية القِيَم الجماليَّة، وفْقَ معايير الاحترام والأدب والمشاعر الجمعيَّة وإدراك الخصوصيَّة وتأكيد تكامليَّة الذَّوق والحُريَّة المسؤولة؛ فإنَّ الذَّوق في شموليَّته واتِّساع مفهومه مرحلة مهمَّة في حياة الفرد ينبغي أن تتلقاها الأجيال من خلال المناهج الصحيحة، وأن تُغرسَ فيهم في إطار المبادئ والأخلاقيَّات والتربية السليمة حتَّى لا يُترك أمر بناء سلوك الذَّوق لاجتهاد الأفراد أو أهوائهم أو انطباعاتهم الخاصَّة، أو حسب ما يصل إليهم من المروِّجَين في المنصَّات الاجتماعيَّة والألعاب الإلكترونيَّة، وبعيدًا عن ميزان الرقابة الذاتيَّة والاتزان العقلي والعاطفي. وهذا يتطلب أن تسلك التربية الحديثة منهجًا واضحًا في تربية الفرد على خلق الذَّوق وتذوُّق جماليَّات الحياة، من خلال مناهج تعليميَّة متخصِّصة وبرامج تدريبيَّة نوعيَّة ونماذج محاكاة، وتعريض الأبناء لخبرات وتجارب عمليَّة تضعهم في مواقف تستدعي منهم التحلِّي بالذَّوق كجزء من تقويم السلوك وبناء الشخصيَّة؛ فإنَّ هذا التأسيس حين يُبنى في إطار قِيَم الذَّوق الرفيع والمبادئ الإنسانيَّة الراقية، والسَّمت العُماني الأصيل وينطلق من مبادئ الإسلام وقِيمة العظيمة وأخلاقه السَّامية وسِيرة النَّبي الكريم وأزواجه وأهل بيته وأصحابه، ويؤطِّر وفْقَ منهجيَّات الأخلاق والعلم والحياة، فإنَّه يُثمر عن ذائقة جماليَّة راقية وإن اختلفت في عمقها واتِّساعها من شخص لآخر، إلَّا أنَّها تبقى دليلًا على وجود ثقافة ذوقيَّة عالية، تنعكس في تصرفات الفرد ومواقفه، وتؤهله لمعالجة التحدِّيات والمؤثرات القادمة إليه من بيئته الداخليَّة الَّتي نشأ وترعرع فيها أو من محيطه الاجتماعي الخارجي بتراكماته ومستجدَّاته.

ومن هنا فإنَّ مسؤوليَّة بناء الذَّوق العام لا تقع على الأُسرة وحدها، بل هي مشروع تربوي متكامل تشترك فيه مؤسَّسات التعليم والإعلام والمسجد ومؤسَّسات المُجتمع المدني. فالأُسرة هي المحضن الأول الَّذي يتلقى فيه الطفل أول دروس الذَّوق في طريقة الحديث، وفي أسلوب الجلوس على المائدة، وفي احترام الكبير، وفي التعامل مع الجار، وفي الحفاظ على الممتلكات العامَّة. أمَّا المدرسة فهي البيئة الَّتي تُنمِّي هذا الذَّوق وتؤصِّله من خلال المنهج والممارسة، حين تجعل من الاحترام والنظام والنظافة قِيَمًا تطبيقيَّة وممارسة أصيلة. والإعلام بِدَوْره يؤدي دَوْرًا محوريًّا في نقل الذَّوق العام إلى مستوى الوعي الجمعي، عَبْرَ ما يقدِّمه من محتوى راقٍ في خطابه وحواره ومادَّته الإعلاميَّة ومنصَّاته الرقميَّة وأُسلوبه ومعناه ومغزاه في إطار تأكيد بناء الاتجاهات وترسيخ الهُوِيَّة. أمَّا المسجد فهو المدرسة الروحيَّة الَّتي تربِّي القِيَم وتذكي المنافسة وترسِّخ القدوة والنموذج، تذكِّر الإنسان بأنَّ حُسن الخلق والذَّوق في القول والفعل عبادة تقرّبه إلى الله، وأنَّ الإسلام دِين ذوق في كُلِّ تفاصيله، من الكلمة الطيبة إلى الابتسامة، ومن حُسن الملبس إلى الإحسان في العمل. وكما جاء في الحديث: «الإيمان بضع وسبعون شُعبة أعلاها كلمة لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.»

يُمثِّل السَّمْت العُماني في مفرداته وتفاصيله ذائقة أخلاقيَّة وقِيَميَّة وجماليَّة ترفع من سقف معايير الاحترام والتقدير والالتزام، وبخصائصه المميزة نموذجًا متفردًا للذَّوق المتجذر في القِيَم والمبادئ. فالإنسان العُماني عُرف بدماثة خُلقه، وتواضعه، وهدوء حديثه، وبُعده عن الصَّخب والمبالغة، واحترامه للآخر أيًّا كان، وهي صفات شكَّلت عَبْرَ التاريخ سِمة للمُجتمع العُماني الأصيل. إنَّ السَّمْت العُماني بذلك ليس مظهرًا شكليًّا أو سلوكًا ارتجاليًّا، بل هو تجلٍّ لثقافة متجذرة في الوجدان، تنبع من التربية الإسلاميَّة ومن طبيعة الشخصيَّة العُمانيَّة المتصالحة مع ذاتها ومع غيرها، الملتزمة في مظهرها، العميقة في معناها. ما يؤكد على أنَّ تربية الأبناء على الذَّوق الحسن ينبغي أن تستمدَّ ملامحها من هذا السَّمْت، بما يرسِّخ في نفوس الأبناء القِيَم العُمانيَّة الأصيلة، ويجعلهم أكثر وعيًا بحدود الذَّوق والحُريَّة، وأكثر فهمًا للثابت من المتغير القِيَمي، وأكثر قدرة على المواءمة بَيْنَ المعاصرة والأصالة؛ لذلك فإنَّ تربية الأبناء على الشعور الجمعي العام ضرورة لبناء مُجتمع متماسك متذوق للجَمال الإنساني في تعامله وفي مظهره وسلوكه. فاحترام النظام في الطريق، والمحافظة على نظافة المكان، والالتزام بأدب الحديث والنقاش، والرفق في التعامل مع الناس، كُلّها ممارسات تُعَبِّر عن شعور جمعي راقٍ يجعل من الذَّوق العام ضميرًا أخلاقيًّا للمُجتمع بأسْره.

وإذا كانت ثقافة الذَّوق أحد مقاييس تحضُّر الأُمم، فإنَّ المُجتمع العُماني بما فيه من خصوصيَّة ثقافيَّة وحضاريَّة مؤهل لصناعة ذائقة حضاريَّة متميزة؛ كونه يستمدُّ قِيَمه من إرث تاريخي عريق ومن تربية دِينيَّة وأخلاقيَّة راسخة. فالتسامح والحوار والتعايش والإنسانيَّة والوئام، مفردات أصيلة اكتسبت وجودها من الإرث الحضاري العُماني والخصوصيَّة والهُوِيَّة الثقافيَّة العُمانيَّة، كما أنَّ الاهتمام بالمظهر العام والنظام والنظافة والتعايش الفكري والتواضع في المعاملة ملامح من الذَّوق الرفيع الَّذي يُعَبِّر عن أصالة الإنسان العُماني. ومن هنا يبرز دَوْر محاضن التربية ومؤسَّسات التنشئة في تعميق هذه الثقافة من خلال مناهج التعليم وبرامج التدريب وأساليب التوجيه ونمط الخطاب والحوار الأُسري والمُجتمعي. فإنَّ صناعة الذَّوق في حياة الأبناء مرهونة بمدى ما نصنعه نحن الآباء والأُمَّهات من قدوات عمليَّة لأبنائنا، ومدى ما تؤصِّله المؤسَّسات في خِطابها الإعلامي والتربوي من قِيَم الذَّوق العام في القول والفعل، وما تُدرجه القوانين من مواد تحمي الذَّوق العام في الواقع المعايش والعالم الافتراضي، وتَضْمن التزام الجميع به. وعندها فقط يُمكِن أن ننتقل بالذَّوق من مجرَّد ممارسات عشوائيَّة تخضع للأمزجة إلى ثقافة عمل مؤسَّسيَّة، يتعايش معها المواطن في حياته اليوميَّة في طريقه وبيته ومدرسته ومكان عمله، فيتجسد الذَّوق في سلوكه، ويصبح سِمة من سِمات الشخصيَّة العُمانيَّة المتحضرة.

أخيرًا، فإنَّ استدامة الذَّوق العام واحترام الشعور الجمعي العام في حياة الأجيال ونُموه في مراحل حياتها، مرهون بمأسسة الذَّوق وتأطيره، وأن تنسجم جهود مؤسَّسات الدَّولة مع هذا التوجُّه، من خلال سنِّ القوانين والأنظمة الَّتي تراعي الذَّوق العام في الفضاءات العامَّة، وتضع الضوابط الَّتي تمنع التجاوزات الحاصلة على الذَّوق العام في المنصَّات الاجتماعيَّة وسلوك المروِّجِين، وتدعم ثقافة الذَّوق في المؤسَّسات الحكوميَّة والمدارس والإعلام عَبْرَ إعادة إنتاج النماذج والقدوات وتأصيل المحتوى الراقي والثقافة الأصيلة، ورفع درجة الوعي والاحترام واحترام الأدوار، وتقدير الإنجاز، والعمل الجماعي والخيري والتطوعي، وأن تتحولَ ممارسة الذَّوق إلى ثقافة عمل ومؤشِّر أداء في كُلِّ مؤسَّسات الدَّولة، وركيزة لبناء المواطن الواعي المسؤول، والحفاظ على بقاء المُجتمع العُماني على سَمْته الأصيل، وترسيخ الهُوِيَّة الوطنيَّة في وجدان الأبناء، وجعل الذَّوق الحسن، واحترام المشاعر العامة مرآة تعكس جَمال الشخصيَّة العُمانيَّة في أخلاقها وسلوكها وسَمْتها ووعيها الإنساني العميق.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]