في بعض اللحظات الَّتي تمرُّ داخل أيِّ مؤسَّسة صحيَّة، لا يكُونُ التحدِّي كيف تعالج ولكن أرى أنَّ التحدِّي الأكبر هي الحقيقة نفسها والَّتي نواجهها كنَّا مرضى أم مقدِّمي الرعاية الصحيَّة. هناك مرضى نعي ـ وفْقَ كُلِّ ما لدَيْنا من بيانات وتجربة ـ أنَّ مسار مرضهم وصل إلى نهايته، وأنَّ الجسد بدأ بالفعل رحلة التوقف التدريجي. ومع ذلك، نجد أنْفُسنا واقفين أمام زوجة أو أُم أو ابن يرفضون هذه النهاية كما لو كانت فكرة غير منطقيَّة، أو حكمًا متسرعًا، ونغفل أنَّنا بشر وهذه نهاية حتميَّة وضعت بمشيئة الله وتقديره!
وبَيْنَما ذلك المريض يستلقي بلا وعي، وجسده يحمل علامات مرض متقدم لا تخطئها عَيْنُ طبيب، حيثُ أظهرت النتائج فشلًا متعدِّدًا في الأعضاء وتحاليل مخبريَّة تعكس انهيارًا تدريجيًّا في وظائف الكبد والكُلى والدَّورة الدمويَّة، خصوصًا وأنَّه وفْقَ بيانات وحدات العناية المركزة، فإنَّ نسبة النجاة في مثل هذه الحالات تكاد تقترب من الصفر، وذلك عندما يترافق المرض العضوي المتقدم مع فقدان الاستجابة العصبيَّة واستمرار الغيبوبة رغم إيقاف المهدِّئات.
مع ذلك كانت زوجة ذلك المريض حاضرةً في كُلِّ دقيقة، تراقب الشاشات، وتحفظ أرقام الضغط والنبض، وتسأل عن كُلِّ تغيُّر طفيف. حتَّى أنَّها كانت تُطالب بنقل الدم، وبتغيير المضادِّ الحيوي، وكأنَّها تحاول لِتقنعَ الجسد بالعودة. وهنا عندما يشرح لها أنَّ المرض لم يَعُدْ قابلًا للعلاج، وأنَّ الخيارات الطبيَّة استنفدت، كانت تسمع الكلمات، ولكنَّها لا تسمح لها بالدخول إلى قلبها!
وهذا يَقُودنا إلى أنَّ الدراسات الحديثة في طبِّ العناية الحرجة تشير إلى أنَّ الاستمرار في التدخلات العلاجيَّة المكثَّفة أحيانًا في المراحل النهائيَّة لذلك المريض قد لا يغيِّر المصير في الغالب، بل إنَّه قد يطيل المعاناة فقط. ومن ذلك هنالك بيانات نشرت خلال السنوات الأخيرة توضح أنَّ أكثر من ستِّين بالمئة من المرضى في العناية المركَّزة خلال الأسابيع الأخيرة من حياتهم يتلقَّون إجراءات لا تؤثِّر على البقاء على قيد الحياة، لكنَّها تؤثِّر بعُمق على جودة الموت، وعلى العبء النفْسي الَّذي تحمله العائلة لاحقًا. طبعًا كُلُّ ذلك بمشيئة الله، وكُلُّ نفْس ذائقة الموت مهما طال الزمن أو قصر!
وعليه، ظهرت مفاهيم جديدة كالَّتي تتحدث عن الرعاية التلطيفيَّة المبكرة، وأنَّ إدخال هذا المفهوم في الوقت المناسب يقلِّل من معاناة المريض، ويخفِّف من الاكتئاب والاضطرابات النفسيَّة لدى العائلة. وهذا رُبَّما قد يساعد الزوجة، والَّتي ندرك جميعًا أنَّه أصلًا لم تكُنْ تعاند في القائمين على العلاج، بل كانت تحارب ـ للأسف ـ فكرة أنَّ حُبَّها قد لا يكُونُ كافيًا لإنقاذه. كانت تشعر ـ كما يشعر كثير من أفراد العائلات ـ بأنَّ مسؤوليَّة حياته تقع على عاتقها وحدها، وأنَّ أيَّ لحظة صَمْت أو قَبول قد تفسَّر لاحقًا كاستسلام. بطبيعة الحال، هذا الشعور مذكور بشكلٍ واضح في الأبحاث النفْسيَّة الحديثة، والَّتي بَيَّنَت بأنَّ الشعور بالذَّنْب الاستباقي شائع لدى ذوي المرضى في المراحل النهائيَّة، ويجعلهم يطالبون بالمزيد من التدخلات حتَّى عندما تظهر البيانات الطبيَّة عدم جدواها.
طبعًا المفارقة هنا أنَّ العلاج بكُلِّ تقدُّمه يعترف بحدوده، خصوصًا وأنَّه لم نتابع دراسة واحدة موثوقة تدَّعي أنَّ استمرار التدخلات القصوى في حالات الفشل العضوي النهائي يُعِيد الحياة! ومع ذلك، فإنَّ القَبول ليس قرارًا طبيًّا، بقدر ما هي رحلة نفسيَّة. صحيح بعض العائلات تحتاج وقتًا وبعضها يحتاج أن يُسمح له بالإنكار لبعض الوقت، ليس لأنَّه خاطئ، بل لأنَّه إنساني.
ختامًا، وقفت مع الزوجة وزوجها المريض في تلك الغرفة، وأدركت أنَّ بعض المعارك لا تقاس بنتائج البقاء، بل بقدرتنا على أن نكُونَ صادقين ورحماء، بل وحاضرين!
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي