السبت 07 فبراير 2026 م - 19 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

الذهب.. حين يتحول الأمان إلى مؤشر قلق

الذهب.. حين يتحول الأمان إلى مؤشر قلق
الاثنين - 02 فبراير 2026 07:50 ص

إبراهيم بدوي

20


كانت كُلُّ علاقتي بالذهب محصورة في ما تقتنيه زوجتي، ذهب يذهب ويأتي وفْقَ احتياجاتنا الحياتيَّة، قطعة تباع عند ضيق، وتُعاد حين تنفرج الأمور، علاقة بسيطة تُشبه أغلب البيوت العربيَّة الَّتي ترى في الذهب مخزن أمان صامتًا، لا وسيلة ربح ولا ساحة مغامرة. غير أنَّ المشهد تغيَّر فجأة، ارتفاع حادٌّ ومتسارع للمعدن الثمين يفرض نفسه على المتابعة اليوميَّة، ويدفعك دفعًا لقراءة التحليلات، تحليلات كثيرة، متناقضة أحيانًا، وكُلُّ طرف يغنِّي على ليلاه ويفسِّر القفزات من زاويته الخاصَّة. ما شدَّ انتباهي في الأسبوع الأخير تحديدًا أنَّ الذهب فقَدَ هدوءه التاريخي، صار يتصرف كما البورصة، تفتح الشاشة فلا تعرف هل سيغلق يومه على صعود أو هبوط، سلوك غريب على معدن عايشتُه في مصر منذ أن كان سعره أقلَّ من أربعين جنيهًا، يرتفع ببطء، يقفز أحيانًا، ثم يستقر من جديد دون تراجعات حادَّة أو ارتباك يومي! اليوم الصورة مختلفة تمامًا، تقلُّبات حادَّة، قفزات بلا تمهيد، وتراجعات سريعة، ما يفتح باب الشك في أنَّ الذهب خرج من كونه مخزن قِيمة طويل الأجل ودخل منطقة المضاربة السريعة، منطقة تتحرك فيها الأسعار بأصابع خفيَّة، ويُدار فيها الإيقاع العالمي للمعدن الأصفر بعيدًا عن منطقه التقليدي، وكأنَّ هناك لعبًا تحت الطاولة يُعِيد تعريف الذهب لا كملاذ، وإنَّما كأداة في سوق أعصاب عالمي مفتوح.

صحيح أنَّ الأمر بِرُمَّته لا يزال لا يعنيني، لكنَّ زوجتي صارت تشعر بأنَّها إقطاعيَّة، تحدِّثني كُلَّ يوم عن عدم خبرتي وكيف تمنعتُ عن شرائه وقت الرواج، ولا أدري عن أي رواج تتحدث، فأنا نشأتُ وما زلتُ لم أبرح الطبقة الوسطى، تلك الَّتي تشتري بفوائضها بعضًا من الرفاهيَّة وتُعِيد الحساب ألف مرَّة قَبل أيِّ قرار، وفجأة باتَ عندي في البيت رجُل أعمال وخبير اقتصادي، وكافَّة هواتف المنزل الذكيَّة تحوَّلت إلى شاشات تبثُّ «ريلز» فقهاء الذهب الاقتصاديين، كُلُّ واحد يحمل يقينًا كاملًا وتوقعًا قاطعًا، وكُلُّ ساعة وأنا في العمل تأتيني رسالة جديدة عن الذهب ومساره القادم، والغريب أنَّها تعلم جيِّدًا حجم المسؤوليَّات في هذا الشهر تحديدًا، شهر لا يقاوم فيه المرتب أقساط المدارس، ورمضان واحتياجاته، والأدوات المدرسيَّة، وملابس العيد، ومع ذلك يفرض الذهب نفسه على النقاش اليومي، كأنَّه أصل معزول عن الحياة الواقعيَّة.. هنا يبدأ السؤال الاقتصادي الحقيقي، فارتفاع الذهب بهذا الشكل لا يأتي من طلب عائلي أو استهلاكي، ويخرج من كونه انعكاسًا لحاجة الناس، ويدخل دائرة أكبر تحركها السياسة النقديَّة العالميَّة، حيثُ تقف أسعار الفائدة، والدولار، وتوقُّعات البنوك المركزيَّة في قلب المشهد، ويصبح الذهب رهينة قرارات تصدر من غرف مغلقة، لا من جيوب الطبقة الوسطى. فما يحدُث يعكس سوقًا تحكمها السيولة السريعة وتوقُّعات المضاربين أكثر ممَّا تحكمها قواعد العرض والطلب التقليديَّة، سوقًا يتحرك فيها السعر على وقع إشارات وتلميحات من مؤسَّسات كبرى، في مقدمتها Federal Reserve، حيثُ تكفي جملة أو رقم عن الفائدة أو التضخم لِيقفزَ المعدن أو يتراجع، وكأنَّ الذهب بات يعيش على الأعصاب لا على المنطق، بعيدًا عن حياة الناس اليوميَّة الَّتي ما زالت تُدار بالحساب، لا بالتوقُّعات.

بعد الضحك على النفس، يفرض الواقع نفسه بوجْه أكثر صلابة، فحركة الذهب اليوم لم تَعُد ابنة المزاج الشَّعبي ولا انعكاس نقاشات البيوت، وتجاوزت حتَّى منطق السوق التقليدي بالعرض والطلب، ودخلت مباشرة في قلب السياسة والجغرافيا، فكُلُّ توتُّر عسكري، وكُلُّ عقوبة اقتصاديَّة، وكُلُّ أزمة ثقة بَيْنَ الدول الكبرى، يترجم فورًا إلى قفزة في سعر الذهب، كأنَّ المعدن الأصفر أصبح جهاز إنذار مبكر للنظام الدولي وكُلّ توافق تقلُّ أسعاره، وهنا لا يتحرك الذهب بدافع الخوف الفردي، ويتحرك بدافع قلق الدول نفسها، دول تُعِيد ترتيب احتياطيَّاتها، وتبحث عن أصول لا تمرُّ عَبْرَ أنظمة دفع قابلة للتسييس، ولا تخضع لتجميد أو ابتزاز، تبحث عن معدن يعتقها من سطوة الدولار، لِيعودَ الذهب لاعبًا سياسيًّا بامتياز، أداة سيادة ماليَّة أكثر منه سلعة استثمار؛ ولهذا نرى موجات شراء رسميَّة صامتة، لا تعلن ضجيجًا، وتترك أثرها مباشرة على السعر، والمفارقة الساخرة أنَّني أتابع نشرات الأخبار فأشعر أنَّ الذهب يسبقها بخطوة، يتحرك قَبل التصريحات، ويقفز قَبل البيانات، كأنَّه يعرف ما سيُقال خلف الأبواب المغلقة. الخلاصة أنَّه عندها يصبح منطق اللعب تحت الطاولة مفهومًا، فالسوق هنا لا ينتظر تفسير المحلِّلين ولا حماس صناع المحتوى، ويتغذى على قرارات سياديَّة، وصراعات نفوذ، ورسائل قوَّة متبادلة، وفي عالم بهذه الدرجة من الارتباك، يبدو الذهب أقلَّ المعادن رومانسيَّة، وأكثرها صراحة في التعبير عن خوف النظام العالمي من نفسه.

أنا هنا لستُ بصدد وضع تصوُّر أو اقتراح للمواطن العالمي حَوْلَ شراء الذهب من عدمه، فالأمر بِرُمَّته أكبر من أيِّ تصوُّر فردي، وأوسع من نصيحة استهلاكيَّة أو حيلة ادخاريَّة، ما أحاول فهمه هو هذا التحوُّل العميق في معنى الذهب نفسه، من معدن كان يعكس خوف الأفراد إلى مؤشِّر يكشف ارتباك النظام العالمي بأكمله. فقد تربيتُ على قاعدة أنَّ الذهب أضْمن وسيلة ادخار، وأسرع في التسييل، لكنَّ الذهب اليوم لا يسأل عن قدرتك على الشراء، ويسأل عن قدرة العالم على الاتفاق، لا يقيس فائض الدخل، ويقيس فائض القلق. ولهذا تبدو تقلُّباته الحادَّة منطقيَّة في عالم فقَدَ بوصلته السياسيَّة والاقتصاديَّة في آنٍ واحد.. في هذا المشهد تصبح متابعة سعر الذهب نوعًا من قراءة الأخبار بلُغة الأرقام، كُلُّ صعود يحمل خلْفه توتُّرًا غير معلن، وكُلُّ هدوء مؤقت يوحي بتسوية هشَّة قابلة للانفجار. ورُبَّما هنا تكمن المفارقة الأكبر، أنَّني أعود في نهاية اليوم إلى نفس الأسئلة القديمة، حساب المرتب، التزامات الشهر، وموازنة الممكن مع الضروري، بَيْنَما يتحرك الذهب في طبقة أعلى، طبقة لا تعرف الطبقة الوسطى ولا تشبهها. هكذا يظل المعدن الأصفر شاهدًا صامتًا على عالم يتحرك أسرع من قدرته على الفَهْم، ويطلب من الجميع أن يواكبوا إيقاعه، حتَّى لو لم يملكوا ثمن الدخول إلى لعبته، وكأنَّ الذهب يقول لنا ببرود إنَّ المُشْكلة لم تَعُدْ فيمن يشتري، وإنَّما في عالم لم يَعُد يعرف على أيَّ أساس يطمئن.

إبراهيم بدوي

[email protected]