الاثنين 18 مايو 2026 م - 1 ذو الحجة 1447 هـ
أخبار عاجلة

زواج البنات فـي مصر.. المبالغة فـي الجهاز وظاهرة الغارمات

زواج البنات فـي مصر.. المبالغة فـي الجهاز وظاهرة الغارمات
الاثنين - 02 فبراير 2026 07:39 ص

محمد عبد الصادق

60


مع اقتراب شهر رمضان المبارك في مصر، تطفو على السطح أزمة الغارمات اللاتي يقضين عقوبة السجن؛ جرَّاء عجزهنَّ عن سداد ديون اقترضنها ليتمكنَّ من تجهيز بناتهنَّ المُقْبلات على الزواج، وتُزف البنت لبيت الزوجيَّة، وتقبع الأُم في السجن! وقُبيل الشهر الفضيل، تنتظر الغارمات العفو الرئاسي، أو تبرعات أهل الخير الَّذين يسدِّدون ديون الغارمات، كأحد مصارف الزكاة في السنوات الأخيرة؛ جرَّاء تزايد عدد الغارمات في السجون المصريَّة.

تكاليف الزواج في مصر أصبحت تُمثِّل عبئًا يثقل كاهل أُسرتَي العريس والعروس؛ فالعريس مطالَب بتوفير شقة الزوجيَّة، الَّتي وصلتْ أسعارها لأرقام فلكيَّة، يعجز الشَّاب الحاصل على وظيفة مهما كان دخلها عن الوفاء بثمنها، ثم تأتي مرحلة الأثاث والأجهزة الكهربائيَّة، الَّتي شهدت ارتفاعًا جنونيًّا لأسعارها، ومقابل توفير العريس شقة الزوجيَّة، تتحمل العروس المفروشات، ومستلزمات المطبخ، أو ما يُسمَّى «الرفايع» الَّتي أصبحت «تقايل» تكلف مبالغ طائلة.

هذا الغلاء لم يمنع أهل العروس، من التفاخر والتباهي، إلى الحدِّ الَّذي جعل (90%) من الغارمات في السجون بسبب جهاز البنات، حيثُ تبَيَّنَ أنَّ التجار يفضِّلون التعامل مع النساء دون الرجال؛ لأنهنَّ الأكثر التزامًا في السداد وأقلَّ إثارة للمتاعب، ولكنَّ المبالغة في الجهاز وصلتْ حدَّ السَّفه، والنتيجة تقفز التكاليف إلى رقم، تعجز الأُسرة عن سداده، ويضطر التاجر لتقديم الشيكات أو وصل الأمانة للمحكمة، الَّتي لا تجد مفرًّا من إصدار حُكم بحبس الأُم بعد عجزها عن تدبير قِيمة القرض المستحق عليها، أو الوصول لتسوية مع التاجر.

وتقليد «شوار البنات» ليس حديثًا في مصر، بل هو جزء من الموروث الاجتماعي، فقد أفلستْ خزينة مصر في العصرَيْنِ المملوكي والعلوي ثلاث مرَّات، بسبب المبالغة في جهاز البنات، المرَّة الأولى عند زواج الأميرة قطر الندى ابنة السُّلطان خماروية من الخليفة العباسي المعتضد بالله سنة 281هـ 894م، والَّتي جهَّزها أبوها بالغالي والنفيس، وبنى لها القصور على طول الطريق من القاهرة إلى بغداد، والمرَّة الثانية في عهد السُّلطان محمد بن قلاوون الَّذي تكلف زفاف ابنته أطنانًا من الذهب والفضَّة، والمرَّة الثالثة بسبب زفاف أبناء الخديو إسماعيل الَّذي عرف باسم زفاف الأنجال والَّذي شهد احتفالات باذخة، استنزفت خزانة مصر.

في الستينيَّات والسبعينيَّات، تخلَّت الأُسر المصريَّة عن مظاهر البذخ في الزواج، بسبب الحروب والأزمة الاقتصاديَّة والحصار الاقتصادي الَّذي فرضته الدول الغربيَّة على مصر، وكانت كُلُّ أُسرة تجهز بناتها حسب الإمكانات المتاحة، حتَّى جاء عصر الانفتاح وسافر المصريون إلى العراق وليبيا ودول الخليج، وتنافستِ الأُسر في تجهيز بناتها، خصوصًا في الريف، فيعمد أهل العروس لعمل زفَّة تمتدُّ لمئات الأمتار تستعرض فيها أحدث الأجهزة والمفروشات.

يتشدق المصريون بالتحضُّر والتمدُّن، لكن هناك ردَّة كبيرة في أحوال المرأة في مصر في السنوات الأخيرة، فالأُسرة تهتمُّ بتزويج البنت وتجهيزها منذ ولادتها، ويصل الأمر إلى دخول السجن من أجْلِ تحقيق هذا الهدف، وفي الأخير نجد أكبر معدَّلات الطلاق موجودة في مصر، وتَعُود البنت ـ الَّتي لم تكمل العشرين عامًا ـ تحمل على يدَيْها رضيعًا، لا تدري كيف ترعاه، أو من أين تصرف عليه، بعد تخلِّي الأب عن التزاماته، ألم يكُنْ من الأجدى توجيه الاهتمام لتعليم البنات أو توجيههنَّ لإتقان صنعة، يستطعن من خلالها تحقيق أحلامهن، والاعتماد على أنفسهنَّ في بناء مستقبلهنَّ، بدلًا من إهدار هذه الأموال في أوانٍ ومفروشات لا تُستعمل، أو يكُونُ مصيرها مخزنًا في محكمة الأُسرة.

محمد عبد الصادق

[email protected]

كاتب صحفي مصري