الاثنين 02 فبراير 2026 م - 14 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : تحول أمن الطاقة إلى سياسة استقرار

الاثنين - 02 فبراير 2026 04:28 م

رأي الوطن

10

تتجاوز أهميَّة مشروع الربط الكهربائي المباشر بَيْنَ سلطنة عُمان والشبكة الخليجيَّة كونه إضافة فنيَّة لمنظومة الكهرباء، لِيُقرأ بوصفه تحوُّلًا نوعيًّا في مفهوم أمن الطَّاقة الوطني؛ فهذا الرَّبط يضع عُمان داخل نطاق أوسع من المرونة التشغيليَّة، ويمنح شبكتها قدرة أعلى على امتصاص الصَّدمات، سواء المرتبطة بارتفاع الطلب، أو بالطوارئ الفنيَّة، أو بتقلُّبات إنتاج الطَّاقة المتجدِّدة، والفائدة هنا عمليَّة ومباشرة. وهي تقليل الحاجة إلى استثمارات احتياطيَّة مكلفة داخل الحدود، وفتح مجال لإدارة الأحمال بكفاءة أعلى، وتحسين موثوقيَّة الإمداد في لحظة تتسارع فيها متطلبات الصناعة والتوسُّع العمراني والتحوُّل الاقتصادي، لِيتحوَّلَ أمن الكهرباء من معادلة تعتمد على الاكتفاء الدَّاخلي إلى منظومة تشاركيَّة توسِّع خيارات الدَّولة، وتخفِّف كلفة المخاطر، وتدعم قدرة الاقتصاد العُماني على النُّمو بثقة واستقرار. فالمشروع لا يضيف خطَّي نقلٍ ومحطَّات فحسب، لكنَّه يُعِيد تموضع الكهرباء كأحد أعمدة الاستقرار طويل الأمد، وعنصر أساس في جاهزيَّة الدَّولة للمستقبل، حيثُ تصبح الشبكة الإقليميَّة امتدادًا ذكيًّا للشبكة الوطنيَّة، لا بديلًا عنها.

وتتضح دلالة تلك الخطوة بصورة أعمق حين يوضع في سياق التجربة الخليجيَّة الأوسع، حيثُ يبرز الرَّبط الكهربائي بوصفه أحد أنجح نماذج العمل المشترك القائم على المصالح القابلة للقياس، وعلى مدى أكثر من عَقديْنِ، أثبتت الشبكة الخليجيَّة قدرتها على تعزيز موثوقيَّة الإمداد وتحقيق وفورات اقتصاديَّة ملموسة؛ لأنَّها تأسَّست على منطق التكامل التشغيلي وتبادل المنفعة، لا على توزيع الأدوار السياسيَّة. فدخول سلطنة عُمان على الرَّبط المباشر يُمثِّل ـ بجانب التوسُّع الجغرافي ـ إضافة عُمق تشغيلي للشبكة الخليجيَّة ككُلٍّ عَبْرَ ربط منظومة مستقرَّة ذات بنية متماسكة بشبكة إقليميَّة أوسع، ما يرفع مرونة النظام الجماعي ويُعزِّز قدرته على إدارة الأحمال والطوارئ. بهذا المعنى، يتحول التكامل الخليجي في قِطاع الطَّاقة من فكرة مؤسَّسيَّة إلى ممارسة عمليَّة، تثبتُ أنَّ البنية الأساسيَّة حين تُدار بعقلٍ اقتصادي هادئ تصبح أداة توحيد حقيقيَّة، قادرة على تجاوز تعقيدات السياسة وصناعة قِيمة مشتركة طويلة الأمد.

لعلَّ الوزن الحقيقي لهذا المشروع يتضح أكثر حين يُقرأ من زاوية التحوُّل الطاقي الَّذي تشهده المنطقة، حيثُ تخطَّى التحدِّي قدرات التوليد، وأضحى يتصل بقدرة الشبكات على الاستيعاب والتكيُّف مع أنماط إنتاج متغيِّرة وأحمال غير مستقرَّة.. فإدماج الطَّاقة المُتجدِّدة، بما تحمله من تذبذب في الإنتاج واختلاف في توقيت الذروة، يفرض بنية كهربائيَّة أكثر مرونة وقدرة على تحقيق التوازن اللحظي، وهو ما يوفِّره الرَّبط الإقليمي كإطار تشغيلي متقدم. من هذا المنطلَق، يعمل المشروع كضامن صامت لاستقرار المنظومة، يوزع الفوائض، ويخفِّف الضغوط، ويحوِّل التحوُّل الطَّاقي من تحدٍّ تقني محتمل إلى فرصة اقتصاديَّة قابلة للإدارة، فالشبكة المترابطة هنا لا تخدم فقط تبادل الكهرباء، لكنَّها تؤسِّس لمرحلة جديدة يصبح فيها التخطيط للطَّاقة قائمًا على الإقليم لا على الحدود الضيِّقة، بما يُعزِّز كفاءة الاستثمار ويمنح الدول مساحة أوسع لاتِّخاذ قرارات طاقيَّة أكثر جرأةً دُونَ تعريض أمن الإمداد للمخاطر.

إنَّ البُعد التمويلي لهذا المشروع يكشف عن قراءة أكثر نضجًا لمعنى التنمية في قِطاع الطَّاقة، قراءة تتجاوز منطق القروض إلى منطق الشراكة طويلة الأمد، كما أنَّ مشاركة مؤسَّسات تمويليَّة خليجيَّة في مشروع بهذا الحجم تعكس إدراكًا بأنَّ الاستثمار في البنية الأساسيَّة المشتركة أقلّ كلفة وأكثر استدامةً من إدارة الأزمات بشكلٍ منفرد، وأنَّ أمن الطَّاقة يُصنع عَبْرَ ترابط المصالح لا عَبْرَ حلول مؤقتة. وعليه، فإنَّ التمويل هنا يتحول إلى أداة سياسة اقتصاديَّة هادئة، تلتقي فيها الرؤية الوطنيَّة مع المنظور الإقليمي، وتُبنى عَبْرَها شبكة أمان تمتدُّ آثارها إلى الصناعة والاستثمار والتنافسيَّة، ولا يُمكِن قراءة الرَّبط الكهربائي المباشر بَيْنَ سلطنة عُمان والشبكة الخليجيَّة كمشروع بنية أساسيَّة فقط، لكن يَجِبُ أن يفهمَ بوصفِه نموذجًا لكيف تصنع الدول نفوذها الحديث عَبْرَ الشبكات، وعَبْرَ التكامل المدروس، في لحظة عالميَّة باتَ فيها الترابط شرطًا أساسًا للاستقرار والنُّمو الاقتصادي طويل الأمد.