السبت 07 فبراير 2026 م - 19 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : وزارة التعليم: تحولات مفصلية وطموحات وطنية ومجتمعية متعاظمة

في العمق : وزارة التعليم: تحولات مفصلية وطموحات وطنية ومجتمعية متعاظمة
السبت - 31 يناير 2026 07:45 ص

د.رجب بن علي العويسي

80


يُشكِّل صدور المرسوم السُّلطاني السَّامي رقم (14/2026) بشأن إنشاء وزارة التعليم، بدمج وزارتي «التربية والتعليم» و»التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار» في وزارة واحدة تُسمَّى «وزارة التعليم»، تحوُّلًا مفصليًّا في مَسيرة التعليم في سلطنة عُمان، ونقلة نوعيَّة في توجيه منظومته نَحْوَ تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وصناعة الفارق في المنجز التعليمي وارتباطه بسُوق العمل. ويأتي هذا التوجُّه انسجامًا مع التحوُّلات العالميَّة والإقليميَّة الَّتي تعلي من شأن التعليم بوصفه خيارًا استراتيجيًّا لصناعة الوظائف وبناء رأس المال البشري، وركيزة أساسيَّة لمعالجة التحدِّيات المرتبطة بالباحثين عن عمل، وتراكم المخرجات التعليميَّة، وتسريح القوى العاملة الوطنيَّة.

إنَّ من شأن دمج منظومات التعليم ما قَبل المدرسي، والتعليم المدرسي، والتعليم المهني والتقني، والتعليم العالي تحت مظلة واحدة، أن يرفع من سقف طموحات المُجتمع في إيجاد حلول جذريَّة تتعامل مع متغيِّرات الواقع التقني، وتحدِّيات الهُوِيَّة، وبناء الشخصيَّة الوطنيَّة القادرة على استشراف المستقبل والمشاركة الفاعلة في صنعه. وفي هذا السياق، تتَّجه الأنظار إلى دَوْر أكثر فاعليَّة للتعليم في تقليص فجوة التباعد بَيْنَ مخرجاته ومتطلبات سوق العمل، لا سِيَّما ما يتعلق بحملة الدبلوم المتوسط والبكالوريوس، والمؤهلات العُليا بمختلف تخصُّصاتها العلميَّة والتقنيَّة والمهنيَّة، كما يُعزِّز من إحداث تحوّل مؤسَّسي وتقني نوعي في مَسيرة التعليم، ويُعزِّز مسار المواءمة؛ باعتبارها منجزًا تنفيذيًّا ومسارًا تطبيقيًّا واضح المعالم. فهذه الرؤية الشموليَّة تفتح آفاقًا أوسع للتكامل والترابط بَيْنَ مختلف المراحل التعليميَّة، بما ينعكس إيجابًا على كفاءة المنتج التعليمي وجودته.

ورغم ما قد يترتب على هذا الدمج من تحدِّيات تتعلق بثقل المسؤوليَّة وتشعُّب الأنماط والأدوات، إلَّا أنَّه يؤسِّس لمرحلة تكامليَّة ونهج متوازن وإطار عمل موحَّد، يقرأ شخصيَّة الطالب ومنتجه التعليمي منذ سنواته الأولى في التعليم ما قَبل المدرسي، مرورًا بالتعليم المدرسي والتقني والفني، وصولًا إلى التعليم العالي، بما يفضي إلى منتج تعليمي أكثر قدرة على استيعاب التحوُّلات ورسم خريطة تميُّز واضحة.

ومن شأن هذا التكامل أن يحدَّ من الفجوة بَيْنَ مخرجات التعليم وسوق العمل، ويقلِّل في الوقت ذاته من الفجوة القائمة بَيْنَ التعليم المدرسي والعالي، بما يَضْمن أنَّ المسار التعليمي الناتج عن تناغم متوازن بَيْنَ المراحل المختلفة يُسهم في تصحيح الصورة النمطيَّة السلبيَّة عن المخرجات التعليميَّة. كما يوفِّر هذا المسار خطَّ سيرٍ واضحًا للطالب منذ دخوله التعليم قَبل المدرسي وحتَّى تخرُّجه من التعليم العالي، وهو ما يتطلب جهدًا مؤسَّسيًّا كبيرًا، وأدوات أكثر تنظيمًا وتقنيَّة، وتجسيرًا واعيًا للفجوات والتقاطعات السلبيَّة، خصوصًا ما يتعلق بمدخلات التعليم العالي والسَّنة التأسيسيَّة، والتحدِّيات الأكاديميَّة والنفسيَّة الَّتي تواجه الطلبة عند انتقالهم إلى البيئة الجامعيَّة.

ويُسهم هذا الاندماج في تعزيز شعور الطلبة بالتكيُّف مع طبيعة المراحل التعليميَّة المختلفة، نتيجة تلاشي عقد الإجراءات وتضارب التوجُّهات، وتقليص الفجوة الناتجة عن الخصوصيَّة المؤسَّسيَّة الَّتي كانت تعيق الإفصاح المبكر عن المسارات المستقبليَّة. كما يتيح منظور التكامل سرعة أكبر في التفاعل والاستجابة والمعالجة، ويفتح المجال لمراجعة شاملة لبنية التعليم المدرسي والعالي، بما يجعل المناهج أكثر ترابطًا، ومساقات التعليم العالي امتدادًا عمليًّا لمخرجات التعليم المدرسي.

وفي ظل وجود التعليم المدرسي والعالي والمهني والتقني تحت قيادة واحدة، تصبح عمليَّة البحث عن آليَّات مستدامة لتنفيذ المواءمة أكثر يسرًا، الأمر الَّذي يتيح تكاملًا أوسع مع القِطاع الخاص وشركاء التعليم، لبناء إطار وطني يراقب تطوُّرات سوق العمل، ويراجع التخصُّصات الأكاديميَّة، ويحلِّل الاحتياجات المستقبليَّة وفْقَ مؤشِّرات رؤية «عُمان 2040»، وعَبْرَ قراءة معمقة للأبعاد الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والأمنيَّة المترتبة على اختلالات سوق العمل. ويُعزِّز ذلك بقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الشركاء، وبناء أُطر موحَّدة تتكامل حَوْلَها السياسات والخطط والبرامج الهادفة إلى تقليص الفجوة بَيْنَ العرض والطلب في سوق العمل.

كما يُشكِّل هذا الدمج فرصة لوزارة التعليم لتحديد احتياجاتها الفعليَّة من المُعلِّمين والتخصُّصيين في المدارس، وبناء تخطيط استراتيجي للقوى العاملة التعليميَّة يُحقِّق التوازن بَيْنَ العرض والطلب. ويُسهم ذلك في ضبط نِسَب القَبول في التخصُّصات الأكاديميَّة التربويَّة في الجامعات والكُلِّيَّات وفْقَ احتياجات واقعيَّة، ومدروسة، بما يحدُّ من الفائض في بعض التخصُّصات، ويعالج النقص في تخصُّصات أخرى ويرسِّخ مواءمة حقيقيَّة بَيْنَ سياسات القَبول، ومخرجات الجامعات، واحتياجات المدارس.

كما يَضْمن هذا التوجُّه وجود معايير مستمرة لقياس نوعيَّة المهارات المطلوبة، من خلال شراكات الوزارة مع الهيئة العُمانيَّة لضمانِ جودة التعليم، وهيئة البحث العلمي والابتكار، والمؤسَّسات الأكاديميَّة الوطنيَّة والدوليَّة، بما يُسهم في تحديد سقف المهارات المتوقعة من الخريجين وضبط فلسفة التعليم ومناهجه وبرامجه. ويؤسِّس هذا السَّعي إلى المواءمة، باعتبارها ركيزة أساسيَّة للجودة، لمرحلة متقدِّمة في تطوير النظام التعليمي، حيثُ لا يُمكِن تصوُّر جودة المخرجات بمعزل عن التناغم بَيْنَ الكمِّ والكيف، وتَراكُم المهارات عَبْرَ السنوات التعليميَّة، وتأثيرها في بناء شخصيَّة الطالب، ما يُمثِّل مؤشِّرًا في قدرة النظام التعليمي على التكيُّف مع المستجدَّات وتحقيق التنافسيَّة.

وعليه، فإنَّ وجود وزارة التعليم بهذا الاتساع في الاختصاصات والترابط المؤسَّسي والتماسك الهيكلي يُسهم في جملة من الموجِّهات، من أبرزها:

• التركيز على تعليم المهارات الناعمة؛ باعتبارها الطريق الأنسب لصناعة قدرات وطنيَّة تمتلك حسَّ المستقبل والحدس بتوقُّعاته، وتستشرف أحداثه وتتفاعل مع مستجدَّاته، ولا يُمكِن تصوُّر تحقُّق المواءمة في ظلِّ إقصاء المهارات الناعمة، فالمسألة ليست مجرَّد تَراكُم مهارات بقدر ما هو تجديد وتفعيل لها من واقع العمل، وقدرتها على إنتاج التحوُّل في مفهوم الوظيفيَّة ومساراتها، الأمر الَّذي يجعل من المهارات مساحة أمان تتَّسم بالاستمراريَّة والتفاعليَّة والتجديد، مراعية لحجم التطور الحاصل في الوظيفة العامَّة أو الوظيفة المهنيَّة، وهو أمر يُلقي على وزارة التعليم مسؤوليَّة بناء برامج تدريبيَّة واضحة المسار، وأنظمة مهنيَّة تتفاعل مع الخريج في موقع العمل، بحيثُ يزود الخريج بأحدث المهارات العالميَّة العالية المستوي فإنَّ رفع مستوى متطلبات المهارة الناعمة وتفاعلها وارتباطها بشخصيَّة الخريج وفي الوقت نفسه بنطاق عمله، سوف يوفِّر الضمانات لمؤسَّسات العمل والقِطاع الخاص بقدرة الخريج على مسايرة عمليَّة التجديد والتطوير الحاصلة.

• سهولة ضبط مدخلات مراحل التعليم ومخرجاتها لتتوافق مع الَّتي قَبلها والَّتي بعدها، من خلال الاستفادة من التقييم الَّذي تجريه الهيئة العُمانيَّة لضمان جودة التعليم في إيجاد معايير تقييم عالميَّة الاعتماد، وموحَّدة لضمان إنتاج حركة التطوير وتسارعها فيه، واستيعاب كُلِّ المتغيرات والمدخلات والمؤثِّرات الَّتي باتت تُشكِّل هُوِيَّة التعليم وتبرز معالم القوَّة فيه، ويقف عند كُلِّ المحطَّات الحاصلة في منظومة العمل المؤسَّسي ويستدرك التوجُّهات العالميَّة المحيطة، الأمر الَّذي يستوجب الدفع بالتعليم نَحْوَ تحقيق التنافسيَّة العالميَّة عَبْرَ دَوْره في بناء الشخصيَّة المهنيَّة للخريج القادرة على فهم واستيعاب كُلِّ المتغيرات الحاصلة في سوق العمل.

• ضمان خروج مؤسَّسات التعليم من حالة التكراريَّة واتساع الفجوة الناتجة عن سُلطويَّة القرار ومستوى كفاءة الصلاحيَّات في توظيف المال في صناعة التحوُّل، الأمر الَّذي يَضْمن في ظل هذا الدمج الحدَّ من الهدر المالي والإداري والازدواجيَّة في المهام وفاقد العمليَّات المتكررة عَبْرَ مراجعة للممارسات الموجّهة نَحْوَ بناء شخصيَّة الخرِّيج وتعليم المهارات ورصد الواقع المتغيِّر في الاقتصاد الوطني وإعادة صياغة جديَّة لِدَوْر التعليم في بناء مستقبل الاقتصاد الوطني، عَبْرَ تغيير منهجي ومخطّط للسياسات والخطط والبرامج والتوجُّهات ونُظُم المتابعة والتقييم وطرائق التدريس وإجراءات أو ضوابط الأداء للمخرجات بناء على تقييم واستطلاع رأي ودراسات تشخيصيَّة لسوق العمل، وتعزيز نُظُم الجودة ومعايير الأداء الأكاديمي لمؤسَّسات التعليم العالي بشكلٍ يجعل منها قادرة على تشخيص واقعها، ومرنة تستوعب كُلَّ المتغيرات الحاصلة في سوق العمل المتغيِّر عَبْرَ انتهاج سياسات واضحة في ضبط نِسَب القَبول والتوسُّع في الاختيار وتقييم دَوْري لكُلِّ مراحل الإنجاز، وإيجاد نظام موحَّد يختصُّ بالشراكة وتقنين جوانب الاستفادة من المبادرات والنماذج ودراستها ومناقشتها بشكلٍ واسع على مستوى مؤسَّسات وزارة التعليم.

أخيرًا، يُمثِّل إنشاء وزارة التعليم فرصة تاريخيَّة لتجاوز التراكمات السلبيَّة الناتجة عن تعدُّد المرجعيَّات، وترسيخ نموذج متكامل للتعليم، يَقُوم على التخطيط الشامل لمسار الطالب منذ دخوله المدرسة وحتَّى تخرجه من الجامعة وتنويع مسارات التعليم، وتوسيع خياراته المهنيَّة والتقنيَّة، وإعادة تقييم التخصُّصات ذات القِيمة المضافة، بما ينسجم مع متطلبات الثورة الصناعيَّة الرابعة، ويُعزِّز دَوْر التعليم في إنتاج الوظائف، وتحقيق مواءمة حقيقيَّة ومستدامة مع سوق العمل.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]