آمنتُ مبكرًا وفي مبتدأ العمر بِدَوْر القراءة والسفر والكتابة في توسيع دوائر المعرفة وتعميق الوعي وتعزيز الفهم، وتحقيق السعادة، وملء الفراغ المدمِّر، وبمنافع جمَّة لا تُحصى. ويومًا بعد آخر ينمو إيماني بها وتزدهر حياتي بصحبة الكِتاب والقلم والتطواف بَيْنَ مُدن العالم، كنتُ أدَّخر المئة بيسة الَّتي أستلمها من والدي صباح كُلِّ يوم دراسي قِيمة «السندويشة» ومشروب «السن توب»، وبنهاية الأسبوع تصبح ستمئة بيسة تكفي في تلك المرحلة لشراء كِتاب أو رواية، ألتهم قراءتها خلال أيَّام. وراهنتُ على السفر، ورصد وتسجيل وتدوين مشاهداتي وانطباعاتي عن البلد والمدينة والمُجتمع وتقاليده وثقافته وتاريخه، بدلًا عن الكماليَّات والمتطلبات غير الضروريَّة، والرفاهيَّة الَّتي لا معنى لها، فظللتُ أوفِّر شهريًّا قسطًا من راتبي للسفر. وفتحتْ لي «الوطن» الغرَّاء قَبل أكثر من عَقديْنِ ونصف أحضانها، وشجَّعتني لأكتبَ في صفحاتها مقالي الأسبوعي، إلى جانب كِتابات ومقالات ومحاولات في صحف أخرى، وأصدرتُ بضعة كتب، هي اليوم رصيدي الَّذي أعتزُّ وأسعدُ به كثيرًا، ما يعينني على فهمِ الحياة والتعامل بوعي مع تصدُّعاتها واستيعاب السلوكيَّات والأفكار والقرارات الإنسانيَّة الغريبة في نظري ومفهومي، ومحاولة تشخيصها وتفكيكها والبحث عن أسبابها في بطون الكتب، وأحداث التاريخ ومواقف البشر وطبائعهم، واختلافات سجاياهم ومستوياتهم في هذا العالم الفسيح... فهنيئًا لِمَن قدَّر قِيمة ما تعطيه لنا الحياة من هدايا ثمينة... إنَّ تمضية عدَّة أيَّام مع كِتاب شيِّق أو رواية ملهمة، وتسجيل ورصد ملاحظات وانطباعات مشاهداتي لهذا المقال، والتجوال في شارع نظامي الشريان الحيوي لجسد المدينة، وساحة النوافير، والمدينة القديمة، والمتحف الوطني، وحديقة الشهداء، والبوليفارد، الَّذي يمتدُّ بمحاذاة شاطئ بحر قزوين لعدَّة كيلومترات... متعة لا تُضاهى وزخم معرفي ـ ثقافي يستحق «أن يشدَّ إليه الرحال». فالمتحف الوطني في باكو، وبحسب ما «يتراءى لنا المشهد على ضوء اللوحات الفنيَّة والرسومات والنّصب التذكاريَّة والمجسَّمات القديمة وصوَر الشخصيَّات بعمائمهم ولحاهم البيضاء ولباسهم التقليدي وكأنَّنا نجوب مجالس وأزقة وأسواق بغداد وحلب ودمشق وأصفهان والقاهرة وإسطنبول وشيراز وباكو... ونستمع إلى أصوات الفرزدق وأبي نواس والمتنبي والمعرّي ونظامي الكنجوي ومحمد فضولي وحافظ الشيزاوي وسعدي الشيزاوي وبرهان الدين وناظم حكمت... ونقرأ أدب ألف ليلة وليلة والأغاني وغزليَّات المجنون في ليلاه، ونستمتع برسوم ولوحات فنيَّة تُعبِّر عن هذا التمازج والتشابك والتأثير، شاعر أذربيجاني درس في القاهرة وماتَ ودُفن في حلب وكتَب شعره بالفارسيَّة، وآخر وُلد في دمشق وتعلَّم في بغداد ومات في أذربيجان وكتَب أعماله بالعربيَّة. إنَّها رسالة الإسلام العالميَّة نجحت في توحيد الأُمم والشعوب والثقافات». في اليوم الثالث لبرنامجنا المزدحم، انطلقنا إلى منطقة «قوبا»، الَّتي احتاجت إلى حوالي ثلاث ساعات للوصول إليها من «باكو»، وتقع على سفوح جبال القوقاز في شمال أذربيجان، ويشطرها نهر «كوديال» إلى شطرين، تمتلك إرثًا ثقافيًّا وتقاليد محليَّة مذهلة تمتدُّ إلى الماضي البعيد، وتنام على حشد من المعالم والمواقع السياحيَّة الشهيرة، والقُرى والحارات الَّتي تَعُود إلى حِقب زمنيَّة قديمة، وعائلات وعرقيَّات عاشت في عصور قصيَّة، فضلًا عن تميُّزها بمفردات الطبيعة الخلابة ولوحات جماليَّة غاية في الإدهاش والإبهار... من أبرزها: جامع الجمعة، الَّذي يُشبه «الأسطوانة الَّتي تأخذ شكلًا مثمنًا منتظم ومتعدِّد الأوْجُه»، بُني في القرن التاسع عشر من الطوب الأحمر، ويتفرد بنمط معماري متعدِّد الأشكال وقبَّة معدنيَّة دائريَّة فاتنة ذات لون فضي، وبناء يوحي من الخارج بصغر مساحته، في حين يفاجأ مَن يزوره لأوَّل مرَّة بمساحاته الواسعة وقدرته على استيعاب عدد كبير من المصلِّين ـ القرية الحمراء «أوكراسنايا سلوبودا»، الَّتي كانت موطنًا لمُجتمع يهودي محافِظ على دِينه ولُغته وتقاليده الخاصَّة به لأكثر من ألف عام، وتقدِّم للسائح أشكالًا من الآثار والمعالم القديمة الَّتي ظلَّت محافِظة على هيئتها حتَّى اليوم. ـ مدينة «قرمزي»، وتمتلك معابد يهوديَّة وتقاليد وفنونًا ترتبط بالمُجتمع المحلِّي للمدينة، فضلًا عن صناعة السجاد الَّتي تُلهم مراحل صناعاته من قِبل الحِرفيين الماهرين، الزوَّار والسيَّاح على السَّواء. ـ «قوبا القديمة»، الَّتي تتخصص كذلك، في صناعة أجود أنواع السجاد اليدوي من قِبل أفضل الحِرفيين في العالم، وتُعَدُّ بمثابة نموذج للحياة التقليديَّة وورشة عمل للصناعات المحليَّة والأعمال الحِرفيَّة الشَّعبيَّة. ـ قرية «جيناليج»، وتقع على ارتفاع (٢٥٠٠) متر، وتضمُّ مُجتمعًا عِرقيًّا متماسكًا محافِظًا على لُغته وتقاليد حياته القديمة، الَّتي تجذب السيَّاح وتثير الإبهار، فضلًا عمَّا تتمتع به من طبيعة خلَّابة تتميَّز بالبذخ وتحتشد بالجَمال، وإلى جانب القُرى السياحيَّة المتناثرة على سفوح وقمم «القوقاز»، تقدِّم «قوبا» للسيَّاح أشكالًا من مفاتن الطبيعة كالأنهار والشلالات والغابات والثلوج الَّتي تزدهر بها السياحة. ـ مجمع تذكار إبادة قوبا «جينوسايد»، والَّذي يؤرخ لارتكاب مجموعات مسلَّحة أرمنيَّة، مذابح بحقِّ المسلِمِين واليهود وإحراق وتدمير قُرى بأكملها في عام ١٩١٨م. ـ متحف التاريخ هو كذلك من الأماكن البارزة في المدينة ويعرض عددًا من القِطع النادرة الَّتي تمَّ العثور عليها من عمليَّات التنقيب وتحكي مَسيرة ومراحل محدَّدة من تاريخ «قوبا»، إلى جانب مقبرة الشهداء، ومتنزه نظامي، ومزارع التفاح الَّتي تُشكِّل في مجملها وجبة سياحيَّة باذخة تنعش مواسم السياحة في أذربيجان. وفي الطريق إليها بدتِ الصورة مقلوبة عمَّا كانت في زيارة ٢٠١٨م، فالجبال جرداء، والأرض قاحلة، والأشجار تخلَّت عن أوراقها وخضرتها، إلَّا من أغصان عارية تكاد عواصف الشتاء الباردة أن تقتلعَها، ولولا جهاز التدفئة الَّذي يمدُّنا بحرارة منشطة لكُنَّا في حال صعبة وتجمَّدت أجسادنا من شدَّة البرد، لحظتها استشعرتُ معاناة الفقراء والنائمين في الأرصفة والشوارع، وسكَّان غزَّة الَّذين يعانون المرارة، ويُحاصِرهم الموت وتتجمَّد أجسادهم في خيام مهترئة تقتلعها العواصف والأمطار في شتاء قارص وليالٍ مثقلة بالخوف وصنوف من العذاب لا تطاق، فيما ننام نحن المسلِمِين، وبالأخصِّ الأغنياء والميسورون فينا، في أسرَّة وثيرة وغُرَف تنعم بالتدفئة شتاء والتكييف صيفًا، وقصور فخمة، ونغترف من أطايب العيش وأصناف الطعام ما يُنسينا معاناة الفقراء والمعذبين والمكلومين في هذا العالم، فأين هي الإنسانيَّة والضمير والشعور الإسلامي بمِحن إخواننا في العروبة والدِّين والإنسانيَّة؟؟.. «يتبع».
سعود بن علي الحارثي