السبت 07 فبراير 2026 م - 19 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

الإعلام الاجتماعي وسيلة لنشر الإشاعات

الإعلام الاجتماعي وسيلة لنشر الإشاعات
السبت - 31 يناير 2026 07:19 ص

نجوى عبداللطيف جناحي

30


يُعَدُّ نشر الإشاعات من السلوكيَّات الاجتماعيَّة المرفوضة في المُجتمع، ويقصد بالإشاعات هي معلومات أو أخبار غير صحيَّة وكاذبة أو مبالغًا فيها، وغير مؤكدة المصدر، تنتشر بَيْنَ الناس دُونَ التحقُّق من صحَّتها، وتهدف إلى التأثير في الرأي العام أو إثارة القلق والبلبلة أو تشويه سمعة الأفراد والمُجتمعات، أو التظليل في صحَّة الأخبار التاريخيَّة.

لقد كانت تنشر الإشاعات عن طريق النقل الشفوي بَيْنَ الناس في المجالس العامة والأسواق والتجمُّعات، حيثُ كان الفرد يسمع الخبر وينقله إلى غيره دُونَ التحقُّق من صحَّته، ويُعَدُّ أسلوب النقل الشفوي للإشاعات بطيء الانتشار، لكنَّه ذو تأثير قوي بَيْنَ الناس بسبب الثقة المباشرة بَيْنَ الأفراد.

وقد كانت تستخدم الإشاعات كسلاح فتَّاك في الحروب، فهي تستخدم كسلاح نفسي، إذ كانت بعض الدول تنشر أوراقًا دعائيَّة بواسطة الطائرات فوق المُدن والمناطق المأهولة، تتضمن أخبارًا كاذبة أو مضلِّلة بهدف إضعاف الروح المعنويَّة للسكَّان والجنود وبثّ الخوف والارتباك بَيْنَهم، ونذكر من ذلك ما حدَث خلال الحرب العالميَّة الثانية، حيثُ استخدمت بعض الدول المتحاربة المنشورات الورقيَّة الَّتي كانت تُلقى من الطائرات كوسيلة لنشر الإشاعات والحرب النفسيَّة.

فقد كانت الطائرات تُلقي منشورات فوق مواقع الجنود أو المُدن، تتضمن أخبارًا كاذبة عن هزيمة قريبة، أو مبالغة في قوَّة العدوِّ، أو ادِّعاءات عن تخلِّي القيادات عن جنودها، بهدف إضعاف الروح المعنويَّة، وبثّ الخوف والشَّك، ودفع الجنود أو المَدنيين إلى الاستسلام أو فقدان الثقة.

ولقد كانت الإشاعات من أقوى الأسلحة الَّتي اعتمد عليها الحزب النازي، في الفترة ما بَيْنَ عامَي 1933 و1945. وكانت لها أيديولوجيَّة سياسيَّة تهدف كما يقول هتلر إلى غزو العالم. إنَّها دعاية لا عقلانيَّة؛ لأنَّها تهدف لإثارة المشاعر والعواطف لدى الأفراد، وتغلب الدعاية النازيَّة الصورة على التبرير والحسّ الاندفاعي على المنطق.

لقدِ استطاع الإعلام الحربي الألماني أن يُدخل نظام الدعاية الَّتي خُططت بشكلٍ متطور بواسطة وزير الدعاية الألماني (جوزيف جوبلز) الَّذي كان له فضل كبير في إدخال النُّظم الدعائيَّة الحديثة، واستخدمت الدعاية من خلال وسائل الإعلام الحربي في ذلك الوقت، حيثُ اعتمدت على المنشورات، والإذاعة، ومكبرات الصوت بشكلٍ يُثير الغرائز الأوَّليَّة للفتك والتدمير. وحين ننظر إلى الدعاية الألمانيَّة من ناحية قوَّتها الباطنة أي ما تنطوي عليه، فإنَّها تبدو في الواقع كأنَّها مدفعيَّة سيكولوجيَّة تستخدم كُلَّ ما من شأنه أن يصدم ويزعزع الكيان.

أمَّا في العصر الحديث، فقد تطوَّرت وسائل نشر الإشاعات، وانتقلت إلى الإعلام الاجتماعي كالإنستجرام والواتس أب و(أكس) التويتر سابقًا، فأصبحت تنتشر بسرعة أكبر وعلى نطاق أوسع، ممَّا زاد من خطورتها وتأثيرها في المُجتمع. فالإعلام الاجتماعي من أكثر وسائل الإعلام تأثيرًا في تشكيل الرأي العام؛ لِمَا يتمتع به من سرعة في نقل الأخبار وسهولة في الوصول إلى الجمهور. وهذا الانتشار الواسع يُشكِّل تهديدًا لاستقرار المُجتمع ووعي الأفراد السليم.

والواقع الإشاعات عَبْرَ الإعلام الاجتماعي تنتشر بسرعة كبيرة؛ بسبب غياب التحقق من مصادر المعلومات، وسهولة إعادة النشر دُونَ تفكير في النتائج. وغالبًا ما تستغل بعض الجهات أو الأفراد هذه الوسائل لنشر أخبار كاذبة بهدف إثارة الخوف أو البلبلة أو تحقيق مصالح شخصيَّة، ممَّا يؤدِّي إلى تضليل الرأي العام وزعزعة الثقة بَيْنَ أفراد المُجتمع.

وتكمن خطورة الإشاعات في آثارها السلبيَّة المتعددة، إذ قد تؤدي إلى تشويه سمعة الأفراد والمؤسَّسات، وإثارة النزاعات، وإضعاف الروابط الاجتماعيَّة. كما أنَّ تكرار تداول الأخبار غير الصحيحة يجعل من الصعب التمييز بَيْنَ الحقيقة والكذب، خصوصًا لدى فئة الشَّباب الَّذين يعدّون الأكثر استخدامًا للإعلام الاجتماعي.

ومن هنا تبرز أهميَّة الوعي المُجتمعي في مواجهة الإشاعات، وذلك من خلال تعزيز ثقافة التحقق من المعلومات قَبل نشرها، والاعتماد على المصادر الرسميَّة والموثوقة. كما يقع على عاتق المؤسَّسات الإعلاميَّة والتعليميَّة دَوْر أساسي في توعية الأفراد بمخاطر الإشاعات، وتنمية مهارات التفكير النَّقدي لدَيْهم وامتلاكهم لمهارات التقييم الموضوعيَّة.

فالإعلام الاجتماعي سلاح ذو حدَّين، فإما أن يكُونَ وسيلة لنشر المعرفة وتعزيز الوعي الاجتماعي السوي، أو أداة لانتشار الإشاعات وتهديد استقرار المُجتمع. ويبقى الاستخدام المسؤول والواعي هو الطريق الأمثل للاستفادة من هذه الوسائل وحماية المُجتمع من آثار الإشاعات السلبيَّة... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

[email protected]

Najwa.janahi@