يكشف تقرير الاستقرار الاقتصادي الكُلِّي الصَّادر عن البنك المركزي العُماني طريقة تفكير تتجاوز توصيف الواقع إلى تفكيك منطق إدارته، حيثُ يشتغل التَّقرير على تتبُّع مصادر النُّمو، وحدودها، ومخاطرها المحتملة في بيئة دوليَّة تتَّسم بتداخُل الصَّدمات وتشابُك المسارات، حيثُ أضحتِ الاقتصادات تُقاس ـ بجانب ما تُحقِّقه من أرقام ـ بقدرتها على الاستمرار دُونَ استنزاف أدواتها. وعلى صعيد متَّصل يُعالج التَّقرير الاقتصاد كمنظومة مفتوحة على العالم، تتأثر بتقلُّبات النِّفط، وتشدُّد السِّياسات النقديَّة العالميَّة، وتحوُّلات سلاسل الإمداد، وهو ما يعكس وعيًا بأنَّ التحدِّي الحقيقي تخطَّى تحقيق النُّمو، إلى إدارة هشاشته. ومن هذا المنطلَق تتبدَّى أهميَّة التَّقرير بوصفه خريطة قراءة للمشهد الكُلِّي، لا وثيقة احتفاليَّة، خريطة تحاول ضبط العلاقة بَيْنَ الطُّموح الاقتصادي وحدود المخاطر، وبَيْنَ التوسُّع والحذر، في لحظة عالميَّة باتَ فيها الخطأ مكلفًا أكثر من البطء.
يفكِّك التَّقرير مسار النُّمو الاقتصادي بدل الاكتفاء بتسجيله، ويتعامل مع الأرقام باعتبارها مدخلًا للتَّحليل لا نهاية له، فالنَّاتج المحلِّي الإجمالي الحقيقي سجَّل نموًّا بنسبة (1.6) بالمئة خلال عام 2024، ثمَّ تسارع إلى (2.3) بالمئة على أساس سنوي في النِّصف الأوَّل من 2025، وهي أرقام يضعها التَّقرير داخل سياق تركيبي يربط بَيْنَ زيادة الإنتاج النِّفطي من جهة، واستمرار توسُّع الأنشطة غير النفطيَّة من جهة أخرى، خصوصًا في قِطاعَي الخدمات والصِّناعة. هذا الرَّبط لا يُقدِّم بوصفه توازنًا رقميًّا مريحًا، ويُطرح كاختبار لطبيعة النُّمو نفْسه، حيثُ يبرز السُّؤال غير المعلن، وهو هل يعكس هذا التَّسارع تحسنًا فعليًّا في القدرة الإنتاجيَّة وتوسُّعًا في القاعدة الاقتصاديَّة؟ أم يُعَبِّر عن دَوْرة نشاط مدفوعة بعوامل ظرفيَّة؟ وأهميَّة الأرقام هنا لا تكمن في ارتفاعها النِّسبي، وتكمن في ما تُشير إليه من تحوُّل تدريجي في مصادر النُّمو، وفي قدرة الأنشطة غير النفطيَّة على توليد قِيمة مضافة أقلّ ارتباطًا بالإنفاق العام. بهذه القراءة، يتحول النُّمو من نتيجة إحصائيَّة إلى مسار قابل للتقييم، تقاس جودته بقدرته على التَّراكُم وبما يخلقه من روابط داخل الاقتصاد، لا بارتفاعه اللَّحظي فقط.
إنَّ ما يلفتُ الانتباه في قراءة التَّقرير أنَّه يبرز الطَّريقة الَّتي أدارتْ بها الدَّولة البيئة النقديَّة والماليَّة بوصفها مساحة دعم محسوبة للنَّشاط الاقتصادي لا ساحة مغامرة، كما يظهر ذلك في محافظة النِّظام المالي على مستويات مريحة من السُّيولة، وفي قدرة القِطاع المصرفي على توفير الائتمان للقِطاعات الإنتاجيَّة دُونَ الوقوع في فخِّ التوسُّع غير المنضبط، وهو ما يعكس عقلًا مؤسَّسيًّا يوازن بَيْنَ التَّحفيز والحذر. هذا الأداء لا يأتي مصادفةً، ويُعَبِّر عن دَوْر منظَّم واثِق يعرف متى يتدخل ومتى يترك السُّوق يعمل داخل حدود واضحة، كما يتقدم الإطار التَّنظيمي والرَّقابي بوصفه عنصر طمأنة حقيقيًّا للمستثمِرِين، ويُعزِّز صورة دولة تُدير المال العامَّ والخاصَّ بمنطق الاستدامة لا الاستعراض؛ لذا فإنَّ ثبات السِّياسات، واستمرار ربط العملة، وإدارة السُّيولة بهدوء، كُلُّها عناصر تصبُّ في بناء ثقة طويلة الأمد، وتؤكِّد أنَّ الدَّولة اختارتْ مسار التَّراكُم الآمن بدل القفزات السَّريعة، هكذا يتحوَّل الدَّوْر النَّقدي من وظيفة فنيَّة إلى رسالة سياسيَّة واقتصاديَّة مفادها أنَّ الاستقرار المدعوم بالإدارة الرَّشيدة هو أفضل دعاية لدولة تعرف ماذا تريد وإلى أين تمضي.
إنَّ ما يمنح هذا المسار الاقتصادي ثقله الحقيقي يتمثل في الطَّريقة الَّتي يُعاد بها تعريف التنويع من خِطاب طويل التَّداول، إلى قدرة تشغيليَّة تتوسَّع بهدوء داخل بنية الاقتصاد، فالتَّقرير يوضِّح أنَّ نُمو الأنشطة غير النفطيَّة، خصوصًا في الخدمات والصِّناعة، لم يَعُدْ نتيجةً جانبيَّة لتحسُّن السُّيولة أو ارتفاع الإنفاق، وتحوّل إلى مسار مدفوع باستثمارات خاصَّة، وتحسين بيئة الأعمال، وإصلاحات هيكليَّة تستهدف الإنتاجيَّة قَبل الحجم، وهو ما يعكس رؤية دَولة أدركتْ مبكرًا أنَّ الاعتماد على مورد واحد يضعف القدرة على المناورة، وأنَّ بناء قاعدة اقتصاديَّة متعدِّدة المصادر هو الضَّمانة الحقيقيَّة لمواجهة الصَّدمات الخارجيَّة.. في هذا الإطار يظهر التَّنويع كأداة لتعزيز الصُّمود لا كغاية رقميَّة، وكخيار استراتيجي يُعِيد توزيع المخاطر داخل الاقتصاد بدل تركيزها.. هكذا يخرج التَّقرير بخلاصة غير مباشرة مفادها أنَّ المستقبل الاقتصادي لعُمان لا يُبنى بالقفز على المراحل، ويُبنى بتَراكُم قرارات هادئة تصنع اقتصادًا قادرًا على الاستمرار، والتكيُّف، وتوليد القِيمة في آنٍ واحد.