السبت 21 فبراير 2026 م - 3 رمضان 1447 هـ
أخبار عاجلة

من هدي النبي صلى الله عليه وسلم «كرمه»

الأربعاء - 28 يناير 2026 01:28 م

سيرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شاملة لكل النواحي الإنسانية فهي تحكي لنا سيرة الطفل اليتيم والشاب الأمين المستقيم والزوج المحب والأب الحاني والقائد الفذ والرجل العامل والعابد فشملت شخصيته جوانب حياة الناس على اختلاف مستوياتهم وتعدد مواقفهم. وكانت عشرته ـ رضي الله عنه ـ مع أمهات المسلمين في غاية الشرف والنبل والسمو والحسن، كما كان في أعلى درجه من الشرف والقناعة والصبر والتواضع والخدمة والقيام بحقوق الزواج مع انه كان في شظف من العيش لا يطيقه أحد.

لقد أمر الله سبحانه وتعالى بمعاملة النساء معاملةً حسنةً؛ حيث قال في كتابه العزيز: (وعاشروهن بالمعروف) (النساء ـ 19)، كما أوصى النبي الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهنّ وأمر بالرفق في التعامل معهنّ فقال: (استوصوا بالنساء خيرًا)، وكان يُقدّر المرأة تقديرًا فائقًا، وكان خير قدوة للمسلمين في الأخلاق الراقية مع نسائهم، ورغم كونه قائدَ الأمة وانشغاله بأمر الدعوة فقد أعطى أزواجه حقوقهنّ كاملةً وكان خير الأزواج لنسائهم رعايةً ومحبّةً وعنايةً.

وللأسف الشديد بات الكثير من العلاقات الزوجية مهددة بالافتراق والتشرذم ذلك لبعدهم عن المنهج النبوي وتعاليم القرآن الكريم، ومن خلال هذا الدرس نحاول إعادة المياه النبوية في مجاري العلاقات الزوجية، من خلال فهم الأسس الأدبية لها وعرض صور للتأسّي بها.

أولًا ـ الأسس الأدبية الزوجية: النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو خير نموذج يحتذى به في العشرة الزوجية، إذ كان المثال الأعلى في تطبيق وصايا القرآن الكريم، وقد شهدت له زوجاته بذلك رغم كثرتهن، مع كثرة انشغاله في تبليغ دعوة الله، وما لاقاه جراء ذلك من معاندة الناس ومن حروب، ونوازل، لكنه قام بالأسس في علاقته معهن خير قيام، وهي الأجدر أن يتأسى بها الأزواج مع زوجاتهم ليعيشوا حياة سعيدة طيبة:

أـ المودة والرحمة: الأسس هي المودة والرحمة التي تهدف إلى السكنى، يقول الله عز وجل:(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم ـ 21)، هذه الآية تعلمنا الأسس التي تبنى عليها العلاقة الزوجية لتكون علاقة مترابطة بميثاق غليظ يفضي إلى التراحم بين الزوجي والمحبة بينهما والعشرة الجميلة وما يقرنها من إحسان ونفقة وتعامل لطيف رحب يحقق الغاية الكبرى من الزوج وهو السكنى والاطمئنان والراحة النفسية والجسدية والعقلية معًا.

ب ـ معاملته لهن بالحسنى: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتعامل مع زوجاته أفضل معاملة، فقد كان يلاعبهن، ويلاطفهن، ويمزح معهن، ويتحدث إليهن، ويبثّ إليهن همه وحزنه، وهنَّ أيضاً كنّ يعاملنه بنفس الطريقة، فقد كانت زوجاته أمهات المؤمنين يمزحن معه، ويسترحن عند التحدّث إليه، ويشكين إليه أحوالهن إن ضاقت بهن الدنيا، فهذه هي معاملة الشريك لشريكه على عكس بعض الأزواج الذين يتعاملون مع بعضهم البعض بجلافة، وقلّة وعي، وكأنهما غير مرتبطين برباط مقدّس.

ج ـ الصبر عليهن: فلم يكن يوبّخهن على ما يبدر منهن، فهذه عائشة ـ رضي الله عنها ـ عندما جاءت قصعة الطعام إلى النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ من إحدى ضرائرها، قامت بكسرها، فأخذ ـ عليه الصلاة والسلام ـ الصحن بيده الشريفة وجعل يجمع الطعام ويقول:(غارت أمكم).

د ـ الوفاء بالحب: لا شكَّ أن الوفاء من أهم الأمور التي ترتبط باستمرار الحياة الزوجية ونجاحها، ولنا في ذلك أسوة حسنة، حيث كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أكثر الرجال وفاءً لنسائه، وكان مُحبًّا لكل زوجاته، وكانت أحبهنَّ إلى قلبه السيدة خديجة أم المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ وقد حفظ ذلك الحب في حياتها فلم يتزوّج عليها، وحفظه أيضًا بعد وفاتها فكان يودّ صديقاتها، وكان يذكرها في سره وعلنه باستمرار.

ه ـ العدل: إنّ عدل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان نابعًا من الفطرة التي فطره الله عز وجل عليها، فكان يزور كل نسائه حتى أثناء مرضه وسقمه، وكان يسأل عنهنَّ دون تقصير، كما كان يُقيم ثلاث ليال عند زوجته الثيِّب حتى يؤنسها ويواسيها، ومن شدة عدله أنّه دعا الله عز وجل عدة مرات ألّا يؤاخذه على ما لا يستطيع العدل فيه ألا وهو قلبه، وشعوره تجاه كل واحدة منهن، وإنما تضرَّع إلى ربه مرارًا كي يعدل بين زوجاته في أمور النفقة وشؤون البيت إيمانًا منه بثِقَل المسؤولية الواقعة على كتفه.

ز ـ الاستشارة: لم يكن الرسول يتعامل مع زوجاته على أنهنَّ ناقصات عقل كما يحاول البعض تصوير ذلك، فالمرأة كائن مكرّم تتساوى مع الرجل في إنسانيتها، وفي قدراتها العقلية مساواة تامة، لا تقل عنه بشيء، لهذا فقد كان رسول الله يطلب من زوجاته المشورة في أحلك المواقف وأصعبها، مثل ما قام به في صلح الحديبية، فبعد ذلك الصلح أمر النبي المسلمين الذين كانوا يرافقونه بالحلق، والنحر، ولكن أدى تقاعس الكثير منهم عن الانصياع لأوامر الرسول بسبب عدم موافقتهم على شروط صلح الحديبية مع قريش إلى شعور النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالحزن الشديد، فعاد إلى زوجته أم سلمة التي نصحته، وقالت له:(يا نبي الله أتحبُّ ذلك؟ اخرج ثم لا تكلِّم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك وتدعو حالقك فيحلقك).

سامي بن محمد السيابي 

 كاتب عماني

نادي فنجاء الرياضي