لم يُؤتَ بالرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب إلى سدَّة الرئاسة من فراغ، وإنَّما لأجْلِ أهداف تضعها الولايات المُتَّحدة ـ وتحديدًا الدَّولة العميقة ـ وفي مقدِّمتها إيقافُ حالة التراجع والانزواء القائدة إلى الانهيار والسقوط لامبرياليَّة لا تزال جاثمة على صدر هذا العالم، ومنْعُ الخصوم من امتلاك عناصر القوَّة والتفوق وقيامِ نظام عالمي جديد مُتعدِّد الأقطاب، والعملُ على قطع الطريق عليهم من الوصول إلى هذه العناصر، وتوظيف كُلِّ الوسائل الممكنة لتحقيقِ هذا الهدف.
يبدو ترامب في مرحلة تَدارُك حتميَّة الانهيار والسُّقوط هذه ديكتاتورًا يَقُود العالم إلى الفوضى، وهي الفوضى الَّتي لَطالَما بَنَتْ عليها الولايات المُتَّحدة وعلى أنقاضها استمرار هيمنتها لِتبقَى القطب الأوحد، بعدما أيقنَتْ أنَّها قد أطلقتِ النَّار على قَدَمَيْها بمغامراتها وحماقاتها غير المحسوبة في كُلٍّ من أفغانستان والعراق، وما جَنَتْه من وراء ذلك، في نكوصٍ لافتٍ وتقويضٍ لكُلِّ الأدوار الَّتي قامتْ بها في بناء النِّظام القانوني الدّولي، وتَوَجُّهٍ نَحْوَ هدْمِ أركان المؤسَّسات الدّوليَّة والحقوقيَّة والإنسانيَّة بالتخلِّي عن دعمها ومهاجمتها، والعمل على قطعْ كُلِّ الأحبال السُّريَّة الَّتي تتغذَّى عليها هذه المؤسَّسات، من منظَّمة الصحَّة العالميَّة إلى منظَّمة اليونيسف، إلى برنامج الغذاء العالمي، إلى منظَّمة الأونروا وهلمَّ جرَّا، إلى تدفيع مَن كانتْ أميركا تُطْلِق عليهم اسم «حلفاء» و»أصدقاء» مقابل ما تدَّعيه من حماية لَهُم، إلى ممارسة القرصنة في البحار الدّوليَّة على سُفن النفط، وفرضِ الرُّسوم الجمركيَّة العالية على الخصوم، ومَن يتعامل معهم، وغيرها من الموبقات المُفضية إلى الفوضى.
وليس السَّطوُ على دَولة فنزويلا وأسْرُ رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، وإعلان الاستيلاء على ثروات الشَّعب الفنزويلي ومقدَّراته، ثمَّ التَّلويح باحتلال جزيرة جرينلاند وبنما وكندا والقائمة مرشَّحة لأنْ تَطُولَ ـ بالإضافة إلى ما جاء في أعلاه ـ سوى مؤشِّرات قويَّة على أنَّ الولايات المُتَّحدة بقيادة ترامب تنازع حتميَّة الانهيار والسُّقوط الَّتي تَلُوحُ إرهاصاتها في الأُفق. وعليه، باتَتْ إدارة ترامب ترَى أنَّ القانون الدّولي ومنظَّماته الرَّسميَّة وعلى رأسها مُنظَّمة الأُمم المُتَّحدة ـ رغم ما يعتريه من شوائب الازدواجيَّة والتَّمييز في تطبيقه ـ عائقٌ، أو بالأحرى سببٌ رئيسٌ في التَّعجيل بحتميَّة الانهيار والتَّراجع في حال الاستمرار في الالتزام به رغم المزاجيَّة والازدواجيَّة وسياسة الكيل بمكيالَيْنِ في تطبيقه.
إنَّ إصرار الولايات المُتَّحدة بقيادة «إمبراطورها» ترامب على تفكيك البنية القانونيَّة للنِّظام الدّولي المتعثِّر لَنْ يؤخِّرَ سُننَ الكون ونواميسَه؛ فسقوط إمبراطوريَّات وظهور أخرى هو مِن حِكَم تسيير هذا الكون، وكذلك تبدُّل أحوال الشُّعوب. وعليه، فإنَّ ما تُمارسه أميركا اليوم من انتهاكات غير مسبوقة لسيادة الدوَل، ونَهْبٍ للثَّروات والمقدَّرات، ومحاولةِ استعبادِ دول العالم وشعوبه، وانتهاك القانون الدّولي، وتقويض الشرعيَّة الدوليَّة، وإحلال شريعة الغاب محلَّها، قد يُعجِّل بحتميَّة الانهيار والسُّقوط، وهذا ما ترجوه الشُّعوب المظلومة والمكلومة وتتمنَّاه في هذا العالم، متطلِّعةً إلى الخلاص من ربقة إمبرياليَّة استعماريَّة رأسماليَّة متوحِّشة، وإلى قيام نظام دولي متعدِّد الأقطاب سِماته التَّوازن واحترام سيادة الدوَل وحقوق الشُّعوب، وزوال كُلِّ كيانات الظُّلم والشَّر والإرهاب.
خميس بن حبيب التوبي