بَيْنَما تتجه أصابع الاتهام إلى الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة بتغذية المظاهرات الَّتي تجري في إيران، ينقلب السحر على الساحر وتشهد بعض الولايات الأميركيَّة مظاهرات ضخمة وعصيانًا مدنيًّا وإغلاقًا للمحالِّ التجاريَّة اعتراضًا على مقتل مواطن أميركي ثانٍ، حيثُ قُتل أليكس بريتي (37 عامًا)، وهو مُمرض في العناية المركَّزة، برصاص عناصر فيدراليين تابعين لإدارة الهجرة والجمارك في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا خلال عمليَّة إنفاذ قوانين الهجرة، وذلك بعد أقل من (3) أسابيع على مقتل مواطنة أميركيَّة (رينيه نيكول جود) في نفس الولاية على يد ضباط فيدراليين أيضًا، ما يُظهر تصعيدًا في العمليَّات، أدَّت إلى احتجاجات واسعة اندلعت في مينيابوليس وغيرها من المُدن، مع احتجاجات في الشارع ومنصَّات التواصل تدعو لمحاسبة المسؤولين، ووقف ما يَعدُّونه استخدامًا مفرطًا للقوَّة الفيدراليَّة تجاه المواطنين، فيما أبدى بعض المحتجين المطالبة بـالعصيان المَدني، معتبرين أنَّ العمليَّات الفيدراليَّة تُهدِّد الحقوق المَدنيَّة للمواطنين الأميركيين. في نفس الوقت جرت ردود فعل سياسيَّة حيثُ يطالب حاكم مينيسوتا ومسؤولون محليون بسحب قوَّات الهجرة الفيدراليَّة من الولاية وإجراء تحقيقات مستقلَّة، كما أدان الحادث الاتحاد العمَّالي الأكبر في أميركا (AFL-CIO) وطلب إنهاء عمليَّات وكالة الهجرة لحين ضمان سلامة السكان.
من جانبه هاجم ترامب قادة محليين واتهمهم بالتحريض على الفوضى، ردًّا على دعوات ومطالبات لزعماء سياسيين من كلا الحزبَيْنِ (ديمقراطيين وجمهوريين) بتحقيق مشترك وشفَّاف في الواقعة، فيما علَتِ الأصوات الَّتي تُهدِّد بعرقلة مشاريع قوانين تمويل وزارة الأمن الداخلي في الكونجرس كوسيلة للضغط على الحكومة لحماية الحقوق ومنع تكرار مثل هذه الحوادث، في ظلِّ تصعيد الحكومة الفيدراليَّة لمهام إدارة الهجرة داخل المُدن الكبرى، ما يشعل خلافات حَوْلَ حدود صلاحيَّاتها وعلاقة الحكومة الفيدراليَّة بالولايات.
لقد باتَ الوضع في أميركا متوترًا للغاية، مع موجة احتجاجات في مينيابوليس ومُدن أخرى، واحتدام سياسي بَيْنَ الحكومة الفيدراليَّة وقادة الولايات، ودعوات لإصلاحات في طريقة تطبيق قوانين الهجرة والحفاظ على حقوق المواطنين، كما أنَّ تلك الاحتجاجات تسلِّط الضَّوء على ملفات خلافيَّة ضد سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خصوصًا فيما يتعلق بإنفاذ الهجرة واستخدام القوَّة الفيدراليَّة، أدَّت إلى زيادة نقاشات عامَّة حَوْلَ حقوق الأقليَّة وحماية المَدنيين. ممَّا يُعِيدُ صياغة توجُّهات بعض الناخبين المستقلِّين والمحايدين الَّذين يُشكِّلون عملة انتخابيَّة حاسمة في التجديد النصفي، فيُعزِّز حماس الناخبين المعارضين والمشاركين في الاحتجاجات لدعم خصوم الجمهوريين في الانتخابات، خصوصًا بعد أن شملت الاحتجاجات مناطق غير متوقعة سياسيًّا، ما يعكس حالة استياء مُجتمعي أوسع من سياسات إدارة ترامب. بعد انخفاض شعبيَّته، وقد حذَّرت بعض الصحف الأميركيَّة الكبرى ( Murdoch-owned Wall، Street Journal ) من أنَّ سياسات ترامب الغامضة واحتجاجات المعارضة يُمكِن أن تؤدي إلى كارثة انتخابيَّة للحزب الجمهوري في التجديد النصفي، المظاهرات المنظَّمة يُمكِن أن تزيدَ من حماس قاعدة الناخبين لصالح حزب المعارضة، وتدفع بعض الناخبين المترددين إلى التصويت ضد الحزب الَّذي يُنظر إليه على أنَّه سبب حالة الاستياء. كما أنَّ زيادة النشاط الاحتجاجي قد تضع قضايا اجتماعيَّة وسياسيَّة في صدارة النقاش الانتخابي.
إنَّ المظاهرات الحاشدة في الولايات المُتَّحدة فعَّالة سياسيًّا، لكنَّ تأثيرها النهائي على انتخابات التجديد النصفي ليس تلقائيًّا أو محسومًا، رُبَّما تزيد دافع الناخبين المعارضين للمشاركة في الانتخابات ضد الجمهوريين، وقد تدفع هذه الاحتجاجات إذا زاد اتساعها الرئيس الأميركي إلى تصدير المُشْكلة خارج الولايات المُتَّحدة بإشعال حرب جديدة قد تكُونُ في الشرق الأوسط، باتتْ ملامحها أكثر وضوحًا عن ذي قَبل، ويُغذِّيها بعض المسؤولين عديمي الخبرة بالشؤون الدوليَّة.
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن»