الثلاثاء 01 سبتمبر 2026 م - 19 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

الصين لن تعوض أحدا

الصين لن تعوض أحدا
الأربعاء - 28 يناير 2026 07:52 ص

د.أحمد مصطفى أحمد

10

بِغَضِّ النظر عن موقفك من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وسياساته فإنَّ ما يفعله في العالم سيؤدي إلى تغيير واضح ولسنوات طويلة قادمة. فالمتحمسون لترامب يرون أنَّه يضع أُسُسًا لِمَا يصفونه بأنَّه «نظام عالمي جديد» والمنتقدون له يرون أنَّه فقط يهدم «النظام العالمي القديم» تاركًا الساحة العالميَّة للفوضى. ولرُبَّما كان هؤلاء وأولئك على حقٍّ، إنَّما الخلاصة أنَّ تغييرًا مُهمًّا يحدُث في العالم وصل إلى مرحلة اللاعودة. صحيح أنَّ النظام العالمي يتغيَّر منذُ نهاية الحرب الباردة، وعلى مدى العقدين الأخيرين من القرن الماضي ورُبع القرن الأول من القرن الحالي يشهد العالم «مرحلة ما بَيْنَ نظامين». لكنَّ النظام القديم لم ينتهِ تمامًا ولا يوجد نظام جديد بعد يحلُّ محلَّه. وخلال نصف القرن الأخير تفرَّدت الولايات المُتَّحدة بِدَوْر القوَّة العظمى الوحيدة وقطب العالم الأوحد. لكنَّ الواضح أنَّ كُلَّ محاولاتها ترسيخ نظام عالمي أحادي القطب لا ينافسها فيه أحد، لا قوى تقليديَّة ولا قوى صاعدة، لم تفلح حتَّى الآن. وجلَّ ما جاء به ترامب هو محاولة التسريع بنهاية النظام العالمي القديم الَّذي طالت فترة موته مع تصوُّر أنَّ نظامًا جديدًا يُمكِن أن يحلَّ محلَّه تفرضه أميركا بقوَّتها العسكريَّة والاقتصاديَّة المتفردة والمهيمنة.

قد يرى البعض أنَّ الرئيس ترامب قام بالفعل بإعلان «شهادة وفاة» النظام القديم في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس السويسريَّة الأسبوع الماضي. وبالتَّالي فإنَّ ترامب هو علامة فارقة في مسار العلاقات الدوليَّة بمعنى أنَّ «ما بَعد ترامب ليس كما قَبله» ويستحيل العودة إلى ما فات. حتَّى لو بدا هذا الرأي مبالغًا فيه قليلًا، ويعطي ترامب قِيمة تاريخيَّة رُبَّما ليست حقيقيَّة تمامًا، إلَّا أنَّه يحمل قدرًا من الوجاهة، خصوصًا وأنَّ رئيس وزراء كندا مارك كارني سبق حديث ترامب في دافوس بخِطاب على قدر هائل من المصداقيَّة. وخلص كارني إلى أنَّ ما يجري في العالم، وسببُه الأهم ترامب وسياساته، يعني أنَّ «الدول الوسيطة» عليها النهوض بمهمَّة إرساء نظام عالمي جديد. لم يكُنْ ما ذكره كارني جديدًا؛ فالحديث عن ضرورة أن يحلَّ محلَّ النظام القديم نظام متعدِّد الأقطاب يَدور منذُ سنوات. لكنَّه ظلَّ في نطاق الأفكار والتنظير، أمَّا كارني فحذَّر من أنَّ ذلك أصبح ضرورة عمليَّة آنيَّة.

كُلَّما جرَى الحديث عن «عالم متعدِّد الأقطاب» فأوَّل ما يتبادر إلى الذِّهن هي الصين باعتبارها في مقدِّمة الدول الَّتي ينطبق عليها وصْف كارني بالدول الوسيطة، وهو ما بدَا مرادفًا للوصف الاقتصادي للدول الصاعدة. وبدرجة أقلَّ، يُشار إلى تجمُّعات لتلك الدول الصاعدة مثل مجموعة دول «بريكس» وغيرها والَّتي تؤدي فيها الصين دَوْرًا محوريًّا كذلك. يُعزِّز من تلك التصوُّرات أنَّ الصين لدَيْها ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المُتَّحدة، بل إنَّ البعض يَعدُّها الأولى اقتصاديًّا عالميًّا إذا استخدمت معايير قياس للاقتصاد غير التقييم بالدولار. كما أنَّها تطوِّر قدراتها العسكريَّة والفضائيَّة والتكنولوجيَّة بشكلٍ متسارع في السنوات الأخيرة حتَّى تكادَ تتساوى مع أميركا في بعض الجوانب. يضاف إلى ذلك أنَّه في السنوات القليلة الأخيرة أصبحت الصين أكبر مقرض في العالم لتحلَّ محلَّ تراجع أميركا والغرب عن إقراض ومساعدة الدول النامية والفقيرة في إفريقيا وأميركا اللاتينيَّة وآسيا. وتؤدي مبادرة «الحزام والطريق»، الَّتي أطلقها الرئيس الصيني تشي جين بينج قَبل اثني عشر عامًا وتضمُّ عشرات الدول الآن، دَوْرًا أساسيًّا في تعزيز علاقات الصين الاستثماريَّة والاقتصاديَّة مع نَحْوِ نصف الدول في الكرة الأرضيَّة.

رغم كُلِّ ما سبق فإنَّ الصين لا تؤدي دَوْرًا محوريًّا في السياسة العالميَّة، ورُبَّما هي ليست راغبة أصلًا في أداء ذلك الدَّوْر. وإذا كان بعض المناوئين لأميركا وسياساتها يرون أنَّ الصينيين إنَّما يرسِّخون أُسُسًا اقتصاديَّة قويَّة قَبل الاضطلاع بِدَوْر سياسي عالمي فإنَّه ليست هناك مؤشِّرات على ذلك. والأرجح أنَّ الصين، حتَّى لو كانت تستطيع، لا تريد تعويض غياب الولايات المُتَّحدة عالميًّا في كثير من المناطق ولا سدّ فجوة أيِّ فوضى محتملة نتيجة السياسات الأميركيَّة. أمَّا الحديث عن نهاية حلف شمال الأطلسي (الناتو) فهو أمْر مؤجَّل منذُ ثمانينيَّات القرن الماضي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية حلف وارسو. وكُلُّ محاولات الإبقاء على الناتو كتحالف عسكري لمكافحة الإرهاب و»التطرف الإسلامي» أو استخدامه كأداة للتدخل الاستباقي متجاوزًا سيادة الدول الوطنيَّة لم تَعُد مبرِّرًا كافيًا لاستمراره. والأرجح أن ينتهيَ به الأمْر مثل «اتفاقيَّة دفاع مشترك» لا تختلف عن اتفاق الدفاع المشترك العربي الَّذي لم يَعُدْ شيئًا فاعلًا بجديَّة.

إذا كانت الولايات المُتَّحدة تعاقب حلفاءها اقتصاديًّا، بل وتُهدِّد بعضهم باحتلال أراضيه كما يريد ترامب الاستيلاء على جزيرة جرينلاند من الدنمارك، فماذا يُمكِن أن تفعل الصين مثلًا؟ هل تتقدم لمؤازرة بعض أعضاء التحالف الغربي التقليدي ضدَّ قيادته الأميركيَّة؟! بالطبع لن تفعل، ولا يرغب الأوروبيون في ذلك أصلًا. حتَّى حديث كارني أثناء زيارته لبكين قَبل اجتماعات دافوس عن تعاون كندي صيني لا يتعدَّى استخدام الكنديين رافعة العلاقات مع الصين لمواجهة ضغوط وتهديدات جارتهم الجنوبيَّة: أميركا. تبقى فكرة «عالم متعدِّد القوى» مجرَّد طموح نظري يصعب تحقيقه على الأرض، خصوصًا وأنَّ كُلَّ أطراف التعدُّد المحتملة لها ارتباط وثيق ببقاء أميركا في وضعها الحالي. في النهاية لن تعوضَ الصين شيئًا ولا أحدًا، ولن يموتَ النظام القديم تمامًا قَبل بروز نظام عالمي جديد يبدو أنَّ انتظاره سيطول.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]