تطرح الصناعة اليوم بوصفها قرارًا سياديًّا يتجاوز الحسابات الإنتاجيَّة الضيِّقة، ويُعِيد تعريف موقع الدول داخل الاقتصاد العالمي؛ فلم يَعُد السؤال المطروح هو: كم ننتج؟ لكنَّه أصبح: كيف نصنع دَوْرنا؟ وأيُّ حلقة نملكها داخل سلاسل القِيمة الَّتي تُحدِّد مَن يمتلك النفوذ؟ ومَن يظل أسير تقلُّبات الأسواق؟ خصوصًا وأنَّنا في عالم تتقاطع فيه الجغرافيا مع اللوجستيَّات، وتتحول فيه المواد الخام من مصدر قوَّة إلى نقطة ضعف إذا خرجتْ دُونَ تحويل، عالم يصبح فيه بناء القِيمة المضافة داخل الحدود الوطنيَّة معيارًا حاسمًا لجديَّة أيِّ مسار تنموي، هكذا تتحول الصناعات التحويليَّة إلى أداة إدارة مستقبل، لا نشاط اقتصادي معزول، وإلى وسيلة لخلق استقرار طويل الأمد قائم على امتلاك حلقات الإنتاج الوسيطة، وتعزيز القدرة على التكيُّف مع الصدمات، وبناء اقتصاد قادر على التراكم. من هذا المنطلَق يُقرأ أيُّ توجُّه صناعي جادٍّ؛ باعتباره تعبيرًا عن وعي الدَّولة بِدَوْرها، وبحدودها، وبما تريد أن تكونَه داخل نظام اقتصادي عالمي شديد التقلُّب.
ويتجسد هذا الفهم للصناعة داخل التجربة العُمانيَّة بوصفه مسارًا متدرجًا يَقُوم على إعادة توجيه الموارد الأوَّليَّة، نَحْوَ بناء قاعدة إنتاجيَّة مترابطة داخل الاقتصاد الوطني. ويتقدم هنا دَوْر الحكومة من إدارة تدفُّقات الموارد إلى إدارة قِيمتها عَبْرَ ربط الخام بالبنية الأساسيَّة، والتصنيع، والشراكات الدوليَّة، ضِمن تصوُّر طويل الأمد يُراكِم الأثَر ولا يستهلكه، وهو ما يعكس إدراكًا بأنَّ الاعتماد على تصدير المواد الأوَّليَّة يترك الاقتصاد مكشوفًا أمام تقلُّبات الأسواق، بَيْنَما يمنح تحويلها إلى منتجات صناعيَّة قدرة أعلى على التحكم في العائد، واستقرار التشغيل، وتوسيع دوائر الاستفادة داخل الداخل الاقتصادي، لِيتحولَ الاستثمار الصناعي إلى أداة لإعادة هندسة الاقتصاد، حيثُ تتكامل الطاقة، والموانئ، والمناطق الحُرَّة، وسلاسل الإمداد في منظومة واحدة، ويصبح القرار الصناعي جزءًا من قرار الموقع والدَّوْر، لا استجابة ظرفيَّة لفرصة عابرة. هكذا يتشكل نموذج اقتصادي يراهن على العمق، ويؤسِّس لانتقال هادئ من اقتصاد المورد إلى اقتصاد القِيمة.
وحتَّى تستطيع سلطنة عُمان الوصول لتلك المعادلة عليها الاعتماد على شركات تمتلك تلك القدرة مثل مجموعة «أوكيو» الَّتي تعمل على تحقيق ترجمة عمليَّة لهذا التحوُّل من إدارة المورد إلى بناء القِيمة، حيثُ تتحرك المجموعة خارج الدَّوْر التقليدي لشركات الطاقة، وتتقدم كفاعل يُعِيد تصميم العلاقة بَيْنَ الخام، والتصنيع، والبنية الأساسيَّة، والشريك الدّولي؛ فما يجري هنا يتجاوز توقيع اتفاقيَّات استثماريَّة، ويؤسِّس لمنطق منظومة متكاملة، تتصل فيها المصافي بالصناعات التحويليَّة، والموانئ بالمصانع، وسلاسل الإمداد بقرارات التوطين، ضِمن نموذج تشغيلي واحد عالي الكفاءة. ولعلَّ اختيار صناعات بتروكيماويَّة وكيميائيَّة متخصِّصة، وربطها بموارد تنتج محليًّا، يعكس توجُّهًا واعيًا نَحْوَ تعميق القاعدة الصناعيَّة، وبناء حلقات إنتاج وسيطة ذات قِيمة مضافة مرتفعة، قادرة على خلق وظائف نوعيَّة، ونقل معرفة تشغيليَّة، وتوليد أثَر اقتصادي ممتدٍّ. هكذا تتحوَّل «أوكيو» من مورِّد للمدخلات إلى منسِّق لسلاسل قِيمة، ومن منتِج للطاقة إلى لاعب يُسهم في إعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني على أُسُس أكثر ترابطًا واستدامة، كما تُشكِّل نموذجًا يُمكِن أنْ يضعَ أُسُسًا واضحة في العديد من القِطاعات الأخرى.
إنَّ الرِّهان على الصناعات التحويليَّة لا يتوقف عِندَ حدود المصنع أو حجم الاستثمار، ويتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل بنية الاقتصاد ككُلٍّ. فحين تتكامل الطاقة مع الموانئ، وتتحول المناطق الحُرَّة إلى منصَّات إنتاج، وتربط سلاسل الإمداد بقرارات توطين واضحة، ينشأ أثَر مركَّب يمتدُّ من التشغيل إلى المعرفة، ومن التصدير إلى بناء شبكة مصالح داخليَّة تشمل المؤسَّسات الصغيرة والمتوسِّطة، والخدمات المساندة، وسلاسل التوريد الثانويَّة، هذا النَّمط من النُّمو يُعزِّز قدرة الاقتصاد على التكيُّف، ويخلق وظائف نوعيَّة، ويمنح الجغرافيا العُمانيَّة دَوْرًا إنتاجيًّا داخل سلاسل القِيمة الإقليميَّة والعالميَّة.. ومن هنا يُمكِن قراءة هذا المسار بوصفه تجسيدًا عمليًّا لمستهدفات رؤية «عُمان 2040»، حيثُ يتحول التنويع من شعار إلى ممارسة، وتغادر الصناعة خانة النشاط القِطاعي لِتصبحَ رافعة أو قاطرة اقتصاديَّة طويلة الأمد، قادرة على حماية الاستقرار، وتعظيم القِيمة، وبناء مستقبل إنتاجي أكثر توازنًا.