الثلاثاء 27 يناير 2026 م - 8 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : الفضاء.. شراكة تبنى للمستقبل

الثلاثاء - 27 يناير 2026 06:05 م

رأي الوطن

10


تحوَّل مجال الفضاء إلى ساحة استراتيجيَّة جديدة تتقاطع فيها السياسة بالتكنولوجيا، وتُعاد عَبْرَها صياغة موازين النفوذ بعيدًا عن أدوات الصراع التقليديَّة، ولم يَعُدِ الحديث يَدُور حَوْلَ رحلات استكشافيَّة أو إنجازات علميَّة معزولة، وأصبح الفضاء جزءًا من بنية النظام الدولي، تحكمه معايير وقواعد وشبكات شراكة طويلة الأمد. فالدول الَّتي تدخل هذا المجال تدرك أنَّ السيطرة الناعمة على المعرفة والبيانات والتشغيل تمنحها وزنًا سياسيًّا واقتصاديًّا يتجاوز حدود الجغرافيا، وأنَّ الحضور المبكر داخل هذه المنظومة يفتح هوامش أوسع للتأثير وصناعة القرار. ومن هذا المنطلَق يقرأ انضمام سلطنة عُمان إلى اتفاقيَّات أرتميس، وتوقيعها اتفاقيَّة لتعزيز التعاون السلمي في استكشاف الفضاء مع الولايات المُتَّحدة؛ بوصفه تعبيرًا عن رؤية دولة ترى في الفضاء امتدادًا طبيعيًّا لسياساتها القائمة على التوازن وبناء الثقة، ومسارًا عمليًّا للتموضع داخل اقتصاد المستقبل، حيثُ تتحول التكنولوجيا المتقدمة من أداة دعم إلى عنصر حاسم في تحديد المكانة الدوليَّة.

تكتسب اتفاقيَّات «أرتميس» أهميَّتها من كونها إطارًا عمليًّا لإدارة المجال الفضائي وفْقَ منطق الحوكمة لا منطق السباق المفتوح، حيثُ تنتقل الدول الموقِّعة من العمل الفردي إلى منظومة تنسيق قائمة على معايير تشغيل موحدة، وتبادل منظَّم للبيانات، والتزام جماعي بقواعد الأمان والشفافيَّة. كما أنَّ تلك الاتفاقيَّات تعكس إدراكًا دوليًّا بأنَّ الفضاء ـ مع ازدياد عدد الفاعلين وتعقيد المهمَّات ـ يحتاج إلى قواعد تضبط الحركة وتقلِّل مخاطر التضارب والفوضى، على نَحْوٍ يُشبه ما شهدته قِطاعات الطيران والملاحة البحريَّة في مراحل سابقة، لِيصبحَ الانضمام إلى «أرتميس» مشاركة في صياغة القواعد الناظمة للمستقبل، لا امتثالًا لاحقًا لقواعد يضعها الآخرون.. بالنسبة لسلطنة عُمان، يضع هذا الانخراط الدَّولة داخل شبكة دوليَّة تحدِّد اتِّجاهات التشغيل والتعاون العلمي والتجاري، ويمنحها موقعًا فاعلًا في نقاشات تتعلق بإدارة البيانات الفضائيَّة، والتعامل مع الطوارئ، وتنسيق المهمَّات المعقَّدة، بما يُعزِّز حضورها داخل منظومة عالميَّة تتشكل بهدوء حَوْلَ مَن يمتلك المعايير قَبل امتلاك الأدوات.

يتجاوز انضمام سلطنة عُمان إلى اتفاقيَّات «أرتميس» البُعد التنظيمي، لِيفتحَ نقاشًا أوسع حَوْلَ موقع قِطاع الفضاء داخل المنظومة الاقتصاديَّة الوطنيَّة، خصوصًا مع تصنيفه كأحَد أسرع القِطاعات نُموًّا عالميًّا وأكثرها تشابكًا مع مسارات التكنولوجيا المتقدِّمة؛ فالفضاء اليوم تحوَّل إلى منصَّة تطبيقيَّة تمتدُّ آثارها إلى الاتِّصالات والملاحة، والاستشعار عن بُعد، وإدارة الكوارث والأمن البحري والزراعة الذكيَّة وسلاسل الإمداد، وهو ما يمنحه قِيمة اقتصاديَّة مركَّبة تتجاوز فكرة المهمَّات الفضائيَّة ذاتها، كما يعكس اهتمام الحكومة العُمانيَّة بتوجيه الاستثمارات نَحْوَ الفضاء والذَّكاء الاصطناعي قراءة عمليَّة لطبيعة الاقتصاد القادم، حيثُ تتقدم البيانات والمعرفة والقدرات التقنيَّة كعناصر إنتاج رئيسة. الرِّهان هنا لا يَقُوم على إطلاق برامج استعراضيَّة، ويَقُوم على بناء قدرات وطنيَّة تراكميَّة تشمل تأهيل الكوادر، وتعزيز البحث العلمي، وخلق بيئة جاذبة للشراكات والشركات المتخصِّصة، بما يربط الفضاء بمسار تنموي طويل الأمد، ويحوِّله من قِطاع نخبوي إلى رافعة اقتصاديَّة عالية القِيمة، قادرة على الاندماج في رؤية التحوُّل الاقتصادي الشامل.

إنَّ قِطاع الفضاء يُمثِّل مرحلة متقدِّمة في مسار العلاقات العُمانيَّة الأميركيَّة، الَّتي قامت تاريخيًّا على الثقة والدبلوماسيَّة الهادئة وتبادل المصالح المستقرَّة. فالانتقال بهذا التعاون إلى مجالات الفضاء والتقنيَّات المتقدمة يعكس رغبة مشتركة في توسيع الشراكة نَحْوَ ملفَّات مستقبليَّة تَقُوم على المعرفة ونقل الخبرات وبناء القدرات، لا على التعاون الظرفي أو التنسيق التقليدي. ولعلَّ تصريحات مسؤولي وكالة «ناسا» حَوْلَ الشراكة مع سلطنة عُمان تكشف إدراكًا متبادلًا بأنَّ التعاون في الفضاء يحتاج إلى أُطر طويلة الأمد تشمل البرامج البحثيَّة، والتدريب، والشراكات الأكاديميَّة، والتكامل مع القِطاع الخاص، حتَّى يتحول من اتفاق سياسي إلى مسار إنتاجي قابل للقياس، والتحدِّي الحقيقي أمام هذه الشراكة يكمن في القدرة على ترجمة الانضمام إلى برامج وطنيَّة واضحة الأهداف، تربط الفضاء بالاقتصاد والتعليم والابتكار، وتَضْمن حضورًا عُمانيًّا فاعلًا داخل منظومة دوليَّة تتشكل على مهل، حيثُ تبنى المكانة عَبْرَ التراكم لا الإعلان، وعَبْرَ المشاركة الفعليَّة لا الاكتفاء بالتوقيع، لِيصبحَ الفضاء أُفقًا جديدًا لتعميقِ الشراكة الثنائيَّة، ووسيلة لترسيخ موقع السَّلطنة داخل شبكة علاقات مستقبليَّة تتحدد فيها القوَّة بامتلاك المعرفة، والقدرة على العمل المشترك.