.. واﻷهم في هذا الموضوع هـو فهـم الحديث القدسـيّ جـيّدًا، واﻻنتباه إلى كلماته بكل دقّة، حيث روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيما يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ:(كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ إلا الصوم.. يُضَاعَفُ.. الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)، وفى رواية أخرى للحديث القدسي:(لِكُلِّ عَمَلٍ كَفَّارَةٌ..، وَالصَّوْمُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ).
ومن جلائل (الصَّوْم) وفوائده أن يراد به أن تنتهيَ تلك المشاكلُ، وتنمحي هذه النميمةُ، وهاتيك الغيبةُ، وهذاك البهتانُ الذي نسمعه من بعضهم في أوقات الصيام وغيره، ثم قال لله سبحانه:(وأنا أَجْزِي بِهِ)، فالمجزي، والمكافئ هو الله رب العالمين، يجزي صاحبه بذاته العلية، وعظمته الكاملة، فأي جزاء يكون، وأي فضل يحتسب؟!، إذا كان الجزاء والفضل منه ـ سبحانه؟!.
أمّـا (الصِّيَام) مع سـوء الخلق، وتسرُّع اللسان، وخَوْضه في أعراض الناس، وولوغه في أقدارهم، فإنّـه لا فائدة للصيام معه، ولا غاية للطاعة منه، وكأن صاحبَه أجاع نفسَه، وأعطش حَلْقَه دونما فائدة، مع إلصاق العذاب به؛ حيث خاض لسانه، وولغ في مقامات الناس الكرامِ، الذين لم يُسِيئُوا إليه، وما يعلمون ابتداءً أنه يخوض فيهم، ولا أنه اغتابهم، وأهانهم، وقال في غيابهم ما يُحزِنهم، وقد يظهر للمتعجل أن المعجم الوسيط لم يفرق بين الصيام والصوم هذا غير صحيح، فالكلمتان فيه ليستا متقاربتين في كل دلالاتهما، فقد جاء في مادة:(ص وم) فيه:(صام صوما وصياما: أمسك، وفي الشرع: أمسك عن الطعام، والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية، وصام الفرسُ: قام، ولم يعتلف، وصام الماءُ، والريحُ، ونحوهما: ركد، وصامَتِ الشمس: بلغت كبدَ السماء عند الزوال، وصَمَتَ النعام ونحوه: وقف، ورمى بذَرْقِهِ (الذُّرْق والذُّراقُ: خُرْءُ الطائر)، والصومُ بالإمساك عن فعلٍ، أو قولٍ كان، وشرعًا إمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية، والصومُ الصمتُ، وفي التنزيل:(إني نذرتُ للرحمن صومًا..) إلى أن قال:(والصيام الصومُ، جمع صائم)، يعني: قومٌ صِيَام أيْ هم أناسٌ صوَّم، أي قومٌ صائمون، وكما نرى فقد وسَّع من دلالات الصوم، وضيَّق من دلالة الصيام، وجعلها في الفرض نفسه الذي حدَّده الشرع، وتوسَّع في معاني الصوم حتى شمل كلَّ ما رأيتم، والواضح أن لفظ (الصيام) أقرب إلى الفرض المعروف، المحدَّد شرعًا في رمضان، وأنَّ الصوم مفتوحُ الدلالة، يقع على الصيام نفسه، ويقع كذلك على الامتناع عن الكلام، أو الامتناع عن أي: عمل من ركود الريح، والماء، وبلوغ الشمس حدَّها في منتصف السماء، وكبدها، قبل الزوال، وسكونها، وصمتها، ووقوف النعام، ورميه بذرقه كما ورد في المعجم الوسيط في مادة(ص و م). ونختم بهذا الحديث الجامع بين الدلالتين، وهو: عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(قال الله ـ عزّ وجل: كلُّ عَمَل ابن آدَم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجْزِي به، والصيام جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدِكُم فلا يَرْفُثْ، ولا يَصْخَبْ فإن سَابَّهُ أحَدٌ، أو قَاتَلَهُ فليَقل: إنِّي صائم، والذي نفسُ محمد بيده لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِم أطيبُ عند الله من رِيحِ المِسْكِ، للصائم فرحتان يَفْرَحُهُمَا: إذا أفطر فَرِح بفطره، وإذا لَقِي ربَّه فَرِح بِصَوْمه)، وهذا لفظ رواية البخاري، وفي رواية له:(يَتْرُك طَعَامه، وشَرَابه، وشَهوته من أجلي، الصيام لي، وأنا أَجْزِي به، والحسنة بعشر أمثالها)، وفي رواية لمسلم:(كلُّ عَمَل ابن آدم يُضَاعَف، الحَسَنة بِعَشر أمْثَالها إلى سَبْعِمِئَة ضِعْف، قال الله تعالى: إلا الصَّوم فإنه لي، وأنا أجْزِي به؛ يَدَع شَهَوته وطَعَامه من أجلي، للصائم فرحتان: فَرْحَة عند فِطْره، وفَرْحَة عند لقِاء ربِّه، ولَخُلُوف فيه أطْيَب عند الله من رِيحِ المِسْكِ).
د. جمال عبد العزيز أحمد
جامعة القاهرة - كلية دار العلوم بجمهورية مصر العربية