الجمعة 03 أبريل 2026 م - 15 شوال 1447 هـ

الرياضة.. وكتابة قصة العمر!

الرياضة.. وكتابة قصة العمر!
الاثنين - 26 يناير 2026 08:25 ص

د. يوسف بن علي الملَّا

20


كُلُّنا يعي كيف أنَّه مع تقدُّم العمر تطرأ تغيُّرات كثيرة على أجسادنا. وحتمًا سيتزايد خطر الإصابة بالأمراض المزمنة كأمراض القلب والسكَّري والخرَف بشكلٍ ما. وهنا يأتي حقيقة موضوع وفوائد الرياضة وكيف أنَّها إحدى أقوى الأدوات الَّتي نمتلكها للحفاظ على صحَّتنا، ووظائف أجسامنا ورُبَّما إطالة أعمارنا!

فعلى سبيل المثال، هنالك دراسة أوضحت بأنَّ الأفراد الَّذين تبلغ أعمارهم الأربعين عامًا فأكثر، والَّذين يمارسون النشاط البَدني كانوا أكثر عرضةً بشكلٍ واضح للتمتُّع بشيخوخة جيِّدة مقارنةً بمَن يمارسون نمط حياة خاملًا كما نلاحظه في أيَّامنا هذه. خصوصًا إذا ما أدركنا بأنَّ النشاط البَدني المنتظم يقلِّل من خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدَّم، وأمراض الشريان التاجي، والسكتة الدماغيَّة، وفشل القلب. كما تُشير الأدلَّة المستقاة من مراجعات طبيَّة إلى أنَّ ارتفاع مستوى اللياقة القلبيَّة التنفسيَّة يرتبط بانخفاض ملحوظ في خطر الوفاة لأيِّ سببٍ، بما في ذلك الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدمويَّة وهنا النقطة الفاصلة في هذا الموضوع!

كيف لا؟ وفوائد التمارين الرياضيَّة لا تقتصر على المدى البعيد فقط. فحتَّى لو بدأتَ ممارستها في سنٍّ متأخرة كبعد الأربعين ـ مثلًا ـ سيظلُّ قلبك يستفيد منها. وهذا واقعيًّا ما وثَّقته إحدى الدراسات والَّتي بَيَّنَتْ بأنَّ تدريبات التحمُّل بعد سن الأربعين تمنح تحسنًا في وظائف القلب واستخدام الأوكسجين، يساوي تقريبًا ما لوحظ لدى مَن مارسوا الرياضة طوال حياتهم. باختصار شديد، أريد القول بأنَّه لم يفتِ الأوان بعد لإجراء تغييرات إيجابيَّة تُفيد قلبك!

ناهيك عن أنَّ الرياضة المستمرة تؤثِّر بشكلٍ كبير على الصحَّة النفسيَّة والعاطفيَّة، وهو جانب غالبًا ما يُستهان به من جوانب الصحَّة بعد سن الأربعين. وهنا أعني ارتباطه بانخفاض معدَّلات القلق والاكتئاب، وتحسين جودة النَّوم، وزيادة الثقة بالنفْس. وهذا رُبَّما يأخذنا إلى نقطة جوهريَّة ألا وهو موضوع الاستمرار بالرياضة، وكيف أنَّ البالغين النشطين باستمرار لدَيْهم خطر أقل بنسبة ثلاثين إلى أربعين بالمئة للوفاة المبكرة مقارنةً بالأفراد غير النشطين. بل إنَّ أولئك الَّذين يزيدون من مستوى نشاطهم في مراحل لاحقة من حياتهم، حتَّى لو كانوا خاملين في وقت سابق، يتمتعون بانخفاض في خطر الوفاة بنسبة عشرين بالمئة.

وعليه، توصي المراكز الصحيَّة العالميَّة بممارسة ما لا يقلُّ عن مئة وخمسين دقيقة من النشاط الرياضي أسبوعيًّا كالمشي السريع أو السباحة أو ركوب الدراجات. وقد يكُونُ أيضًا خمسًا وسبعين دقيقة كافية إذا كان نشاطًا رياضيًّا مكثَّفًا، بالإضافة إلى تمارين تقوية العضلات لمدَّة يومين على الأقل.

ولعلَّ الرسالة الَّتي أريد إيصالها هنا، بأنَّ ممارسة الرياضة لا تتعلق بالكمال، بل بالتطور التدريجي لأيِّ فرد منَّا. أنتَ لستَ بحاجة إلى الركض في سباقات الماراثون أو رفع الأثقال لِتكُونَ أكثر صحَّة. المُهمُّ في الأمر الحركة، والمواظبة على النشاط، لأنَّه بشكلٍ وبآخر يعيد تشكيل كيفيَّة تقدّم جسمك في العمر جسديًّا ونفسيًّا.

ختامًا، في عالمنا هذا والَّذي تتزايد فيه الأمراض المزمنة وتصبح فيه العادات الخاملة هي السائدة، بكُلِّ تأكيد تظلُّ ممارسة الرياضة بمثابة رعاية ذاتيَّة واستراتيجيَّة طبيَّة فعَّالة لأيِّ فرد منَّا، والأدلَّة قاطعة، فالحفاظ على النشاط البَدني يطيل العمر، والأهم من ذلك يحسِّن جودة الحياة.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]