الجمعة 03 أبريل 2026 م - 15 شوال 1447 هـ

مجلس السلام العالمي .. وموقفه من غزة والقضية الفلسطينية

مجلس السلام العالمي .. وموقفه من غزة والقضية الفلسطينية
الاثنين - 26 يناير 2026 08:22 ص

محمد عبد الصادق

30


باغتَ الرئيس الأميركي دونالد ترامب العالم بتغيير الغرض من إنشاء مجلس السلام العالمي، الَّذي كان جزءًا من مبادرته لوقف إطلاق النار في غزَّة، والَّذي على أساسه أخذ موافقة مجلس الأمن الدولي على تأسيسه، إلى مجلس دولي تحت رئاسته لِيكُونَ بديلًا للأُمم المتحدة، الأمر الَّذي أثار مخاوف شديدة لكثير من دول العالم، وفي مقدِّمتها الدول الأوروبيَّة الَّتي لبعضها مقاعد دائمة في مجلس الأمن.

صدر ميثاق مجلس السلام العالمي متضمنًا (13) فصلًا، وكُلُّ فصل مكوَّن من عدَّة مواد، لم تتطرق مادَّة واحدة لغزَّة أو فلسطين، الَّتي حرمت من عضويَّة المجلس، تضمَّن الميثاق عبارات مطاطة، ومعاني مائعة تحمل مئات التفسيرات، من قبيل أنَّ المجلس هو منظَّمة دوليَّة تهدف إلى تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد والقانوني، وتحقيق سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهدَّدة بها.

تقتصر عضويَّة المجلس على الدول الَّتي يدعوها الرئيس للمشاركة، ويشترط أن تدفعَ كُلُّ دولة ترغب في عضويَّة دائمة مليار دولار، وتحلّ النزاعات الداخليَّة بَيْنَ أعضاء المجلس وديًّا، ويكُونُ الرئيس ترامب الَّذي تستمر رئاسته للمجلس مدى الحياة، المرجع الوحيد والنهائي لتفسير مواد الميثاق، ولا يجوز لأيِّ دولة عضو إبداء اعتراضها أو تحفُّظها على هذا الميثاق.

رفضت دول كثيرة الدَّعوات الَّتي وجَّهها الرئيس الأميركي للمشاركة في المجلس، كما أصدرت الأُمم المتحدة بيانًا توضيحيًّا؛ للردِّ على ما جاء في ميثاق المجلس ترفض فيه انحراف مجلس السلام عن الأهداف الَّتي أسندها إليه مجلس الأمن الَّتي تنحصر في عمله بغزَّة.

تجاهل مجلس السلام مستقبل المرحلة الثانية لاتفاق غزَّة، أو تفاصيل التسوية المقبلة، وطبيعة الموقف الأميركي والأطراف الإقليميَّة من إدارة المرحلة الانتقاليَّة، خصوصًا بعد تسريبات عن وعود أميركيَّة لـ»إسرائيل» بالموافقة على احتفاظها بأجزاء من قِطاع غزَّة، وسيطرتها على معبر رفح، وإدارة دوليَّة لغزَّة تفصلها عن الضفَّة الغربيَّة والقدس.

رحَّبتْ مصر والسعوديَّة والأردن بالانضمام إلى مجلس السلام، على خلفيَّة نجاح الرئيس الأميركي في وقف العدوان «الإسرائيلي» على غزَّة، آملين أن ينشرَ المجلس السلام وينهي الاحتلال، ويُعِيد إعمار غزَّة، ولم تعلنْ أيٌّ من الدول العربيَّة موقفها ـ حتَّى الآن ـ من خلو ميثاق مجلس السلام من ذكر الصراع العربي «الإسرائيلي»، وعدم توجيه الدَّعوة لفلسطين لعضويَّة المجلس، معوِّلين على قدرة واشنطن في الضغط على «إسرائيل» والانتقال إلى المرحلة الثانية في اتفاق غزَّة الَّذي رعاه الرئيس الأميركي.

تزامَن تدشين مجلس السلام العالمي مع انسحاب أميركا من المنظَّمات التابعة للأُمم المتحدة، واتفاقيَّات المناخ، وكان أحدثها الانسحاب من منظَّمة الصحَّة العالميَّة، الأمر الَّذي دفع منظَّمة العفو الدوليَّة لمهاجمة مجلس السلام الَّذي أطلقَه ترامب في «دافوس» مؤكِّدةً خطورة هذا المجلس على دول العالم، حيثُ اعتبرته تعدِّيًا صارخًا على القانون الدولي وحقوق الإنسان، وتصعيدًا خطيرًا في الهجوم على منظومة الأُمم المتحدة وآليَّاتها، وهدم مؤسَّسات العدالة الدوليَّة، وتهديد السلم والأمن الدولي، وكيف أنَّ هذا المجلس الَّذي شكّل بتوجيه من رئيسه، ويضم رؤساء دول اختارهم ودعاهم بنفسه، الأمر الَّذي يتعارض مع القانون الدولي، ويشكِّل صفعة لعقود من الجهود الرامية لتعزيز الحوكمة العالميَّة عَبْرَ الالتزام بالقِيَم الإنسانيَّة المشتركة، وتحقيق قدر أكبر من المساواة بَيْنَ الدول الأعضاء، كما يقوِّض المساعي المشروعة لمعالجة أوْجُه القصور والثغرات في النظام الحالي، مؤكِّدةً على ضرورة الدفاع عن القانون الدولي وتطبيقه، لا استبداله بترتيبات مرتجلة تحكمها المصالح السياسيَّة والاقتصاديَّة، أو الغرور والطموحات الشخصيَّة.

محمد عبد الصادق

[email protected]

كاتب صحفي مصري