الأحد 25 يناير 2026 م - 6 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : إدارة السيولة.. عقل الدولة فـي مواجهة اقتصاد عالمي متقلب

الأحد - 25 يناير 2026 04:24 م

رأي الوطن

10


يُقرأ نُمو عرض النَّقد في سلطنة عُمان خلال العام الماضي كجزء من هندسة أوسع لإدارة الاستقرار الاقتصادي، ولا يُمكِن قراءته كاستجابة رقميَّة ظرفيَّة فقط؛ فالزيادة الَّتي طالت النَّقد بمعناه الواسع، وتوزَّعتْ بوعي بَيْنَ النقد الضيِّق وشِبه النقد، تعكس عقلًا نقديًّا يعمل على ضبط الإيقاع لا تسريعه على حساب التوازن. وهنا يظهر المال كأداة لإدارة دَوْرة اقتصاديَّة تمرُّ بمرحلة إعادة تموضع، في ظلِّ عالم تتسارع فيه الصَّدمات وتضيق فيه هوامش الخطأ، وهو ما يُعبِّر عن انتقال واضح في فلسفة السياسة النقديَّة من منطق التدخل عند الضرورة إلى منطق الاستباق، حيثُ تُدار السيولة باعتبارها شبكة أمان تحمي النشاط الاقتصادي دُونَ فتح الباب أمام تضخُّم أو فقاعات غير منتجة. ومن هذا المنطلَق تتقدم تجربة سلطنة عُمان كنموذج لإدارة هادئة ترفض الانجرار وراء الإغراءات السريعة، وتختار بناء استقرار قابل للاستمرار، استقرار يخلق ثقة، ويمنح صانع القرار مساحة حركة في مواجهة متغيِّرات دوليَّة معقَّدة.

ولعلَّ أهمَّ ما يؤكِّد أثَر السياسات النقديَّة المتَّبعة هو الارتفاع في الودائع تحت الطلب بنسبة (14.1) بالمئة، إلى جانب نُمو النَّقد بمعناه الضيِّق بنسبة (12.2) بالمئة، باعتبار ذلك مؤشِّرًا مباشرًا على تعافي الثِّقة في الجهاز المصرفي بوصفه ركيزة استقرار مالي لا قناة احتفاظ مؤقت بالسيولة.. فهذه التحرُّكات الرَّقميَّة تعكس نجاح المنظومة النقديَّة في خلقِ بيئة آمِنة لإدارة الموارد، تدفع الأفراد والمؤسَّسات إلى توجيه سيولتهم نَحْوَ القِطاع المصرفي بثقة وتوقُّعات مستقرَّة. ويأتي التحوُّل في السُّلوك المالي لا ينفصل عن مسار أوسع من الانضباط والوضوح في السياسات، حيثُ جرى تعزيز دَوْر المصارف كوسيط منظِّم بَيْنَ السيولة والنشاط الاقتصادي ضِمن إطار رقابي متماسك؛ لِيتحولَ الاستقرار المصرفي من حالة توازن صامت إلى عنصر إنتاجي يدعم مرونة الاقتصاد، ويمنح الدَّولة مساحةً أوسع لإدارة الموارد وتوجيهها بهدوء في مواجهة تقلُّبات المرحلة، كما أنَّ التَّوَجُّه يبعث برسالة واضحة إلى القِطاع الخاص مفادها بأنَّ شروط التَّمويل باتتْ أكثر مواءمة لِدَوْرة استثمار جديدة، وأنَّ الدَّولة تهيئ الأرضيَّة دُونَ فرض إيقاع قسري، بما يُعزِّز دَوْر المبادرة ويكرِّس الشَّراكة مع السوق على أُسُس مستدامة.

ويعكس تراجع متوسط أسعار الفائدة خلال العام الماضي توجُّهًا محسوبًا لإعادة تسعير كلفة التَّمويل بما يخدم النشاط الاقتصادي دُونَ الإخلال بمتانة القِطاع المصرفي، فقد انخفض المتوسط المرجح لأسعار الفائدة على الودائع بالريال العُماني من (2.733) بالمئة في نوفمبر 2024 إلى (2.498) بالمئة في نوفمبر 2025، بالتوازي مع تراجع متوسط أسعار الفائدة على القروض من (5.667) بالمئة إلى (5.446) بالمئة خلال الفترة نفسها، وهو ما يشير إلى إدارة دقيقة للتوازن بَيْنَ دعم الاستثمار والحفاظ على مستويات مخاطر منضبطة، حيثُ تستخدم السياسة النقديَّة كأداة تحفيز مدروسة لا كرافعة توسع غير محسوب. ومن هذا المنطلَق تتقدم سلطنة عُمان بنهجٍ يُخفِّف كلفة التَّمويل عن المشروعات، ويفتح المجال أمام توسُّع إنتاجي تدريجي، مع الإبقاء على استقرار النظام المالي بوصفه أولويَّة لا تخضع للمساومة، وهو ما يُعزِّز الثقة في استدامة المسار الاقتصادي، ويمنح القِطاع الخاص وضوحًا أكبر في قراراته الاستثماريَّة.

إنَّ اكتمال هذا المسار النقدي يظهر بوضوح في إدارة السَّلطنة لعلاقتها بالبيئة الماليَّة الدّوليَّة، حيثُ يعكس تراجع متوسط أسعار الفائدة في سوق الإقراض ما بَيْنَ البنوك لليلة واحدة من (4.563) بالمئة في نوفمبر 2024 إلى (3.917) بالمئة في نوفمبر 2025 مستوى مريحًا من السيولة واستقرارًا في أوضاع السُّوق النَّقدي، كما جاء انخفاض المتوسط المرجح لأسعار الفائدة على عمليَّات إعادة الشراء إلى (4.500) بالمئة مقارنةً مع (5.308) بالمئة خلال الفترة ذاتها من العام السابق في سياق مواءمة محسوبة مع توجُّهات السياسة النقديَّة العالميَّة، دُونَ الإخلال بمتطلبات الاقتصاد المحلِّي؛ فهذا التوازن بَيْنَ الالتزام بالمنظومة الماليَّة الدّوليَّة، والحفاظ على الاستقرار الدَّاخلي يعكس قدرة السَّلطنة على إدارة الارتباطات الخارجيَّة بقرار وطني واعٍ، يحمي العملة ويصون الثقة، ويمنح الاقتصاد مرونةً أعلى في مواجهة التقلُّبات.. وفي هذا الإطار تتقدم السياسة النقديَّة كجزء من منظومة إدارة أشمل، لا تكتفي بامتصاص الصَّدمات، وتعمل على تحويل الاستقرار إلى رصيد استراتيجي يدعم التخطيط طويل الأمد ويُعزِّز موقع السَّلطنة في اقتصاد عالمي متغيِّر.