تحدثتُ في مقالات سابقة نشرتها هذه الجريدة الغرَّاء «الوطن»، عنونتُها بـ»من باكو إلى تبليسي.. أيَّام لا تُنسى» عن جَمال باكو وامتزاج ثقافات وحضارات كثيرة في تاريخها وعمارتها وتقاليد شَعبها وسحنات البشر فيها بَيْنَ أذري وتركي وإيراني وأرمني وعربي وكردي وروسي وتتري... تركوا بصماتهم وخصائصهم وخصوصيَّتهم، وتميُّز كُلِّ ثقافة عن الأخرى يُغني المشهد الأذربيجاني بالآداب والفنون والإنجاز الإنساني في حقول شتَّى، ممَّا لم يحدثْ مع غيرها من بُلدان العالم. وعبَّرتُ عن رغبتي ونيَّتي في زيارة هذه المدينة الفاتنة مرَّات، ففي حدائقها وجنائنها الغناء، وساحاتها وشوارعها الَّتي تتزيَّن بالنوافير والتشجير وأناقة العمارة ومفردات جماليَّة شتَّى، وشواطئها المدهشة، ومقاهيها ومطاعمها الَّتي تنتمي إلى نكهات وتقاليد تتنوع في مذاقاتها الشهيَّة بَيْنَ شرق وغرب، وأزقَّة وحارات ومبانٍ ومساجد مدينتها القديمة الَّتي ما زالت على هيئتها كما شيّدت في العصر العباسي عام ٨٠٠ ميلادي، تحتفظ بملامح العصر الإسلامي الَّذي يتضوع من كُلِّ ركن وزاوية وقَصْر.... تنتعش الحواس، ويزدهر الإبداع، وينشط الجسد، فيستعيد بعضًا من القوَّة والشَّباب، وتُصبح الفرصة مهيَّأة للتأمُّل والتدبُّر واستلهام دروس التاريخ وأحداث الزمان، وتحوُّلات الحياة، والأثَر العلمي للحضارة الإسلاميَّة الَّتي تتجسد في متاحف وصروح وآثار وقصور باكو القديمة وفنونها وتقاليدها العريقة. وتجتمع كُلُّها في أمكنة قريبة من بعضها، والإقامة في قلب المدينة تعني التمتُّع بكُلِّ تلك المفردات الخصبة والملهمة. فباكو «تنبض بالحياة والجَمال، تَقُود الزائر إليها لِيتحولَ إلى عاشق مغرم متعلق بمفاتنها لا يوَدُّ فراقها، وإن غادرها ـ اضطرارًا ـ فلن يغيبَ طويلًا فسرعان ما سيأتي إليها مرتميًا في أحضانها. لقد بهرتني باكو كثيرًا، فلم أكُنْ أتخيَّل حتَّى أنَّها بهذا الجَمال الأخَّاذ؛ لذا لم تكُنْ يومًا ضِمن جدول زياراتي السنويَّة». مرَّت السنوات سريعًا منذ زيارتي إلى «أذربيجان» في عام 2018م، وشغلتنا الحياة بتقلُّباتها وتحوُّلاتها وخياراتها الكثيرة، وتداخل الأهداف والغايات والأولويَّات وظروف شتَّى تنفرج وتحلُّ أخرى بدلًا منها، وكشفتْ لنا طُرق البحث السهلة وتدفُّق المعلومات الهائل، ونصائح الأصدقاء وانطباعاتهم، عن وجهات سفر جديدة فضَّلناها عن زيارة مكررة إلى أن تحينَ فرصة ما. وها هي قد أطلَّتْ بشائرها، عندما أبْدَتْ ابنتي دعاء رغبتها في قضاء إجازتها القصيرة في «أذربيجان»، وتوافقتْ مع أُمنية والدتها القديمة... لقد كنتُ قَبل سنوات في موقع القيادة، أتَّخذ بنفْسي قرارات السفر، وأختار الدول والمُدن.. وعلى ضوء اختياراتي وتقديري والإجراءات الَّتي أقومُ بها نمضي قُدمًا في تنفيذ برنامج التطواف، وقد انعكستِ الآية، بعد أن شبَّ «عمرو عن الطَّوق»، فالأبناء في مرحلة الشَّباب والتقدُّم العلمي المتسارع، هم الَّذين يختارون ويقرِّرون وينهون الإجراءات والحجوزات، ويمتلكون القدرة والمهارة في استخدام التقنيَّات والبرامج ومحرِّكات البحث ووسائل التواصل، فيما جيلنا لا يزال أسيرًا لتقليديَّته وأساليبه القديمة في عمليَّات البحث والتفكير والاختيارات غير قادر على مسايرة الثورة الرَّقميَّة... الَّتي تُعَدُّ واحدةً من أهمِّ وأعمق تحوُّلات العصر المتسارعة بشكلٍ جنوني لا يستوعبه حتَّى الخيال الإنساني... الصعوبة والإرهاق اللَّذان يواجهانِ المسافر العُماني إلى مُعْظم بُلدان ومُدن العالم، أنَّ الرحلات المباشرة إلى الوجهات المقصودة غير متاحة وليست متوافرة، ما يضطره إلى الحجز في طيران دول مجاورة تصل شبكات طائراتها إلى جميع بُلدان العالم ومُعْظم مُدنه، مع ما في ذلك من مشقَّة «الترانزيت» وقضاء ساعات في مطار آخر، وارتفاع مدَّة الرحلة من بضع ساعات قليلة إلى أضعافها. ويشعر «المسافر العُماني» بالغيرة والضغط عندما يشاهد طيران الدول الخليجيَّة دُونَ استثناء في مطارات العالم والعُماني غائب عن المشهد، فتثور الأسئلة وتنمو وتزدهر، فهل غابتْ عن متَّخذي القرارات في بلادنا أنَّ الحضارة الَّتي نتغنَّى بها في إعلامنا ينبغي أن نوصلَها بالحاضر؛ بازدهاره وتقدُّمه، وبالمنافسة على الموارد والاستثمارات لِكَيْ نُحققَ اقتصادًا قويًّا متنوعًا في مصادره قادرًا على مواجهة الأزمات والصَّدمات العالميَّة والحفاظ والدفاع عن منجزات الآباء...؟ حجزنا اضطرارًا على «فلاي دبي» في رحلة الساعة التاسعة من صباح السبت التاسع من يناير 2026م، ونزلتْ بنا مطار «حيدر علييف» الدّولي حوالي الساعة الخامسة مساء، وبدلًا من ثلاث ساعات للمباشر من مسقط، استغرقت رحلتنا أكثر من سبع ساعات مع الترانزيت. «الظلال المحترقة»، للروائيَّة البريطانيَّة البارزة «كاملة شمسي»، ذات الأصول الباكستانيَّة والمولودة في «كراتشي»، كانت رفيقتي في هذا التطواف وما أعذبَها من رفقة، قراءة لخصتها في هذه الكلمات الموجزة، تعريفًا بالقطعة الفنيَّة عالية القِيمة، ذائقة وعذوبة وغنى في المحتوى... ماذا تخبِّئ الحياة للإنسان؟ ما الأحداث والصَّدمات والتحوُّلات الَّتي قد تفاجئه بها في أقلَّ من الثانية؟ هل يمتلك البشر خاصيَّة التعافي السريع من الأزمات؟ كيف لقرار يتَّخذه فردٌ يمتلك السُّلطة يطوح بأقدار الملايين ومصائرهم في لحظة فاصلة؟ كيف تتلاشى الآمال والأحلام والخطط مع الريح؟ صدَق مَن قال بأنَّ الحياة مدرسة، وأحداثها وشخصيَّاتها وتحوُّلاتها فصول ودروس ومناهج تُعَدُّ الأقدر على صقل شخصيَّة الإنسان، وتعميق وإغناء تجاربه وخبراته وقدراته على التعامل مع الصدمات والفواجع... هذه التحفة الروائيَّة الَّتي تهزُّ المشاعر تستقصي في صوَرٍ إنسانيَّة مآسي الحياة ومصائر البشر وأقدارهم من «ناجازاكي وهيروشيما»، إلى انفصال الباكستان عن الهند، وتفجير أبراج التجارة في نيويورك، وأحداث أفغانستان والحرب على ما سُمِّي بـ»الإرهاب» لترهيب وإخضاع العالم الإسلامي وبُلدانه وشعوبه... تعالج الرواية عَبْرَ جيلَيْنِ من شخصيَّاتها الصَّدمات والفواجع والتحوُّلات الَّتي تحدُث بسبب الحروب الَّتي تُشعلها الدول العظمى فتفتك بالملايين وتدمِّر كُلَّ شيء في الحياة. «أخبرتني والدتك بشيء عن حياتك... حياتك الحقيقيَّة. إذن، فقدَتْ والدتك أُسرتها ووطنها في حرب، وانتزع والدك من المدينة الَّتي تربَّتْ عائلته على أشعارها وتاريخها لثلاثة أجيال، وقتل والدك الثاني بالرصاص في أفغانستان، والمخابرات الأميركيَّة تظنُّك إرهابيًّا، وقد سافرت في معقل سفينة وأنتَ تعرف أنَّه إن متّ فلن يعرفَ أحد شيئًا عنك، والوطن بالنسبة إليك ذكرى، وليس مكانًا تعيش فيه، وأول ما تفكر فيه حين تصل إلى بَر الأمان كيف تساعد صديقًا لم ترَه منذ عشرين سنَة...».. «يتبع».
سعود بن علي الحارثي