السبت 24 يناير 2026 م - 5 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : إدارة الأزمات والاختبار الذي لايقبل الانتظار.. ماذا بعد؟

في العمق : إدارة الأزمات والاختبار الذي لايقبل الانتظار.. ماذا بعد؟
السبت - 24 يناير 2026 08:15 ص

د.رجب بن علي العويسي


الأزمات الطبيعيَّة والحالات الطارئة بما تحمله من مفاجآت وتحدِّيات وفرص، من أكثر الاختبارات صدقًا في قياس الوعي الجمعي للأفراد والمُجتمعات، ونضج مؤسَّساتها، وقدرتها على اتِّخاذ القرار في الوقت المناسب، كما تكشف بوضوح مدى جاهزيَّة المُجتمعات، وقوَّة التماسُك بَيْنَ القيادة والشَّعب، وفاعليَّة منظومات التخطيط والتنفيذ والمتابعة. كما أصبح تكرار الحالات الطارئة والأنواء المناخيَّة خلال العقود الماضية جعل من هذا الملف أولويَّة وطنيَّة لا تقبل التأجيل أو المعالجة السطحيَّة.

لقد اعتقدنا ـ ورُبَّما عن حُسن نيَّة ـ أنَّنا بدأنا نفهم طبيعة الأزمات، ونمتلك القدرة على قراءتها، ووزن معطياتها، واتِّخاذ القرارات المناسبة حيالها، بعمل متقن وسرعة لا تقبل التأخير، وجرأة لا تعرف التردد. ومرَّت على وطننا العزيز أحداث جسام، خرجنا منها بفضل الله أكثر تماسكًا، بفضل تكاتف أبناء هذا الوطن، وبحكمة القيادة الرشيدة الَّتي أرست في وجداننا ثقافة تجاوز المِحن، والعمل المشترك، وتقديم الإنسان بوصفه محور التَّنمية وغايتها.

غير أنَّ السؤال الَّذي بات يفرض نفسه في كُلِّ حادثة أو أزمة: هل تعلَّمنا فعلًا من تلك التجارب بالقدر الكافي؟ وهل تحوَّلت الدروس المستخلصة منها إلى سياسات راسخة، ومشاريع منجزة، وخطط واقعيَّة قابلة للتنفيذ والمتابعة؟ أم أنَّنا اكتفينا في بعض الأحيان بإدارة اللحظة، ثم تركنا الوقت كفيلًا بنسيانها مع تراكم المهام وتنوع الأولويَّات ودخول بعض المتغيرات في الخط، نظرًا للتغيُّر المستمر في أوضاع العالم والمؤثرات من حَوْلِنا، حتَّى تفاجئنا أزمة جديدة تُعِيد فتح الأحداث ذاتها؟

إنَّ إدارة الأزمات ليست مجرَّد استجابة طارئة، ولا تقتصر على جهود الإغاثة والإنقاذ في ذروة الحدث، بل هي منظومة متكاملة تبدأ قبل الأزمة بالتخطيط والوقاية، وتمرُّ في أثنائها بحُسن الإدارة والتنسيق، ولا تنتهي إلَّا بعد ما بعدها، أي في مرحلة التقييم، والمراجعة، وإعادة البناء على أُسُس أكثر صلابة واستدامة واحتواء وإلهامًا. ولهذا فإنَّ الأزمات والجوائح والحالات الطارئة تُمثِّل اختبارًا حقيقيًّا لإنسانيَّة الإنسان، ولمدى تجلِّيات الرحمة، والتكافل، والمسؤوليَّة في سلوكه، كما تكشف قدرة أبناء المُجتمع على امتلاك أدوات المواجهة، وتحويل المِحن إلى فرص للتعلم والتطوير.

لقد شكَّلت الحالات الطارئة الَّتي مرَّت على سلطنة عُمان خلال ما يقرب من عَقدين فرصة عمليَّة لتعزيز السياسات الوطنيَّة، وتطوير التشريعات، وترسيخ فِقه وطني في إدارة الأزمات والتعامل مع الحالات الطارئة. وقد نجحت سلطنة عُمان في بناء نموذج إقليمي متقدم في هذا المجال، قائم على التنسيق العالي بَيْنَ المؤسَّسات العسكريَّة والأمنيَّة والمدنيَّة، وعلى وضوح الأدوار، وتكامل الجهود، والاستعداد المسبق وفْقَ سيناريوهات مدروسة، كما عزّز بإصدار سجل المخاطر الوطنيَّة.

وأسهَمتْ هذه المواقف في بناء وعي مُجتمعي متنامٍ، وثقافة عامَّة تدرك أهميَّة الالتزام بالتعليمات، والتفاعل الإيجابي مع الرسالة الإعلاميَّة، والمتابعة الدقيقة لتطورات الحالات المداريَّة، سواء في مرحلة التوقع والتهيئة، أو أثناء الذَّروة، أو في مرحلة ما بعد انتهاء الحالة. وأصبحت إدارة الأزمات في سلطنة عُمان ممارسة مؤسَّسيَّة أصيلة، واستراتيجيَّة أداء تتسم بالمهنيَّة والتنظيم والفرادة والريادة.

ومع ذلك، فإنَّ النَّجاحات المتحققة نلقي على المنظومات المُجتمعيَّة دَوْرًا أكبر وجهدًا أوسع في المحافظة على ما أنجز وتعظيم الجاهزيَّة الاستباقيَّة المتوازنة؛ القائمة على التأمل والمراجعة والتصحيح والوقوف على الثغرات؛ انطلاقًا من أنَّ أيَّ أزمة ـ مهما كانت مؤلمة ـ تحمل في طيَّاتها دروسًا نوعيَّة ودلالات ثريَّة لا يُمكِن تجاهلها أو تجاوزها أو تأخيرها لِمَا قد يترتب على هذا التأخير من تفاقم المُشْكلة وارتفاع سقف التحدِّي. فمع انتهاء كُلِّ حالة طارئة يُطرح السؤال الجوهري: مــــــــــاذا بعد؟

إنَّ الإجابة على هذا السؤال القصير تتطلب جهدًا مؤسَّسيًّا منظمًا، وعملًا استراتيجيًّا بعيد المدى، يعالج جذور التحدِّيات في البنية الأساسيَّة، والتخطيط العمراني، وشبكات تصريف مياه الأمطار، والمواصفات الهندسيَّة للمباني، ومعايير الأمن والسلامة، وتوزيع الأراضي السكنيَّة، ومجاري الأودية، والسدود، وشبكات الطُّرق والجسور. إنَّها عمليَّة إعادة إنتاج للواقع الوطني، وفْقَ رؤية شاملة تستحضر المخاطر المحتملة، وتقلِّل من آثارها، وتحمي الإنسان وحقَّه في الحياة الكريمة الآمنة.

وعليه فإنَّ مقاربتنا لهذا الموضوع تضع أمامنا حدَثين مهمَّين أوَّلهما: إعصار شاهين، الَّذي ضرب محافظة شمال الباطنة وأجزاء من جنوب الباطنة في الثالث من أكتوبر من عام 2021، محطَّة مفصليَّة تضاف إلى الفصول والمحطَّات السابقة له الَّتي بدأت مع إعصار جونو من عام 2007م في مسار إدارة الأزمات في سلطنة عُمان. ورغم حجم التحدِّيات، خرجت البلاد من هذه المحنة متماسكة، بفضل وحدة الصَّف، وسرعة الاستجابة، والتفاعل المسؤول من مختلف مؤسَّسات الدَّولة والمُجتمع. وقد جاء الخِطاب السَّامي لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ في الحادي عشر من أكتوبر 2021 ليؤسِّسَ لمنهج وطني واضح في التعامل مع الأزمات، ويؤكِّد على عظم المسؤوليَّة الوطنيَّة المشتركة الَّتي أدرك أبناء عُمان صناعتها فكانت لهم سِيرة ومنهجًا، وما ورد في عاطر الخِطاب السَّامي وتوجيهاته لمجلس الوزراء الموقَّر في الوقوف على هذا الحدث وتحقيق أعلى درجات التكامل والتنسيق بَيْنَ القِطاعات، وعلى أهميَّة إنشاء صندوق وطني للحالات الطارئة، وتفعيل دَوْر اللجان المختصَّة بتقييم الأضرار ومعالجتها.

وقد حملت تلك التوجيهات السَّامية رسالة واضحة مفادها أنَّ إعادة البناء لا تعني فقط إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، بل تتطلب معالجة أوْجُه القصور الَّتي كشفتها الأزمة، وإعادة النظر في التخطيط والتنفيذ والرقابة، وربط ذلك برؤية «عُمان 2040»، وبالاستراتيجيَّات السكانيَّة والإسكانيَّة والعمرانيَّة، بما يُعزِّز قدرة الدَّولة على التعامل مع مختلف السيناريوهات المستقبليَّة.

أمَّا الحدث الثاني فيتعلق بمنخفض «المطير» الَّذي ضرب قرى نيابة سمد الشأن بولاية المضيبي في الثالث عشر من أبريل 2024 لِيُعيدَ طرح التساؤلات ذاتها، وعلى الرّغم ممَّا خلَّفه المنخفض من فواجع مؤسفة، إلَّا أنَّه أثبتَ دَوْر الأزمات في التعبئة للقِيَم الوطنيَّة وتضافر الجهود الوطنيَّة المؤسَّسيَّة والمُجتمعيَّة المشتركة؛ كما حظيت باهتمام رسمي تُمثِّل في زيارات ميدانيَّة لبعض مسؤولي الدَّولة في القِطاعات ذات الصِّلة، وتصريحات وعدتْ بإعادة رسم مسار شارع ولاية المضيبي، ونقل المدارس المتضررة إلى مواقع أكثر أمانًا.

غير أنَّ المقارنة بَيْنَ ما أُعلن عنه وما أُنجز فعليًّا تفتح باب التساؤل المشروع: لماذا تتباطأ بعض المشاريع بعد انحسار الأزمات؟ ولماذا تخفت وتيرة التنفيذ عقب زخم الزيارات والتصريحات؟

فطريق ولاية المضيبي، رغم حيويَّته وأهميَّته الاستراتيجيَّة ـ كونه يربط طريق السُّلطان تركي بن سعيد بولاية سناو ثم بالمنطقة الاقتصاديَّة الخاصة بالدقم ـ لا يزال خارج نطاق التغطية التطويريَّة.

ويعكس الطموح المُجتمعي حاجة ملحَّة إلى إنشاء طريق مزدوج يُعزِّز انسيابيَّة الحركة المروريَّة، ويدعم التنقل بَيْنَ قرى الولاية، ويُسهِّل الوصول إلى مستشفى النماء، فضلًا عن الحدِّ من الحوادث المروريَّة الَّتي شهدت تزايدًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة؛ نتيجة التكسرات والأضرار القائمة في الطريق الحالي.

وبالتَّالي ما يحمله هذا الأمر من تساؤلات ما زالت تبحث عن إجابات مُقْنعة حَوْلَ مصير ما يتمُّ طرحه والاتفاق عليه بعد الوقوف على الحالة وتدارس الوضع الناتج؟ وإلى أيِّ مدى يحظى بأن يكُونَ في أولويَّات الخطط الخمسيَّة وعمل المحافظات. فمع قناعتنا حتمًا بأنَّ هناك جهودًا تُبذل وأنَّ بعضًا ممَّا جاء في تقارير الزيارات الوزاريَّة أو المؤسَّسيَّة قد حظي بالتنفيذ، إلَّا أنَّنا نذكر بما تبقى من خطوات لإنجاز شامل متكامل يستحضر الحدث في سرعة الاستجابة وأولويَّة إنجاز المشروع، وإلى تحويل الوعود إلى واقع ملموس، وإلى إدراك أنَّ إدارة الأزمات لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل تبدأ مرحلة أكثر أهميَّة، هي مرحلة البناء المستدام.

أخيرًا، نحن اليوم بحاجة إلى أن ننجزَ لوطننا ما وعدنا به، وأن نقفَ جميعًا خلْفَ التوَجُّهات السَّامية الَّتي رسمتها قيادتنا الحكيمة، بوعي ومسؤوليَّة وحرص أكبر. فجيل اليوم لا يمتلك رغبة الانتظار، ولا يقبل تبريرات التأخير، وهو أكثر وعيًا بحقوقه، وأكثر تطلعًا إلى خدمات مستقرَّة وبنية أساسيَّة آمِنة، أينما كان في هذا الوطن؛ فإنَّ الأزمات في عمومها والحالات الطارئة في خصوصها، تتطلب عملًا استثنائيًّا، يتجاوز الأساليب التقليديَّة، ويستثمر الخبرات المتراكمة، ويحوّل الأزمات إلى منصَّات للابتكار والتطوير. وعلينا أن نؤمن بأنَّ هذه الاختبارات، مهما كانت صعبة ومرهقة للموارد ومكلفة للدَّولة، إلَّا أنَّها في حقِّ الوطن والمواطن استحقاق واجب، وفرصة لصناعة نجاح حقيقي، وإنجاز وطني نفخر به أمام الأجيال القادمة.

حفظ الله عُمان وشَعبها، وقائدها المُفدَّى، وجعل هذا الوطن آمِنًا مطمئنًّا.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]