لقد كان الإعلام وسيلة مهمَّة لنقلِ الأفكار ونشرها، وقد شكَّل منافسًا قويًّا للكِتاب، فقَدْ كان الكِتاب هو المصدر الرئيس لنشرِ المعرفة والأفكار، حتَّى أنَّه شكَّل ثروة لا تُضاهى بثَمن، وكثرت دُور النشر ومعارض الكتب، ثم أصبح الإعلام التقليدي من إذاعة وتلفزيون وصحافة منافسًا قويًّا للكِتاب في نشر المعرفة والأفكار، إلَّا أنَّ الضربة القويَّة الَّتي لاقاها الكِتاب كانت من قِبل الإعلام الرَّقمي بوسائله المختلفة من وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإخباريَّة الإلكترونيَّة، والمواقع الإلكترونيَّة المتخصِّصة فعزف الكثير عن الكِتاب الورقي، واتَّجه نَحْوَ الكِتاب الإلكتروني، ولم تَعُدْ وسائل الإعلام التقليديَّة هي المصدر للفكر والمعرفة وتغيير الرأي العام، بل باتتْ وسائل الإعلام الرَّقميَّة هي مصدر المعلومات والأفكار، وقلَّ روَّاد معارض الكتب، وبدأنا نشهد بدء انقراض المكتبة المنزليَّة، وتراجع دَوْر المكتبات العامَّة، حتَّى أنَّ البعض حَوَّل دَوْرها إلى مراكز ثقافيَّة.
فلم يَعُدِ الكتَّاب أو المتحدِّثون والمحاضِرون أو خطباء منابر المساجد هي الأطراف الأساسيَّة في التأثير في الرأي العام، بل باتَ الإعلام الرَّقمي هو المتصدر الوحيد في صناعة التغيير، ونقصد بالتغيير في الرأي العام: هو التغيير في وجهة نظر أو موقف غالبيَّة الناس تجاه قضيَّة عامَّة تهمهم وتثير الجدل والنقاش، وهو ليس بالضرورة إجماعًا تامًّا، بل يُمثِّل الاتِّجاه السائد بَيْنَ الأغلبيَّة، ويتكون نتيجة تفاعل وتأثير متبادل بَيْنَ أفراد المُجتمع ويتشكل من خلال الإعلام والمؤثِّرات الاجتماعيَّة، وبالتَّالي باتَ القادرون على صناعة المحتوى الإلكتروني، هم القادرون على التأثير في الرأي العام.
هذا التغيير الَّذي أحدَثه الإعلام الاجتماعي، هو مشهد متكرر لتأثير التطور التكنولوجي على الحياة الثقافيَّة والاجتماعيَّة والعلميَّة ورُبَّما الرياضيَّة. فمع التطور في اختراع الأجهزة ينعكس على حياتنا وفِكرنا وثقافاتنا، فاختراع المذياع والتلفاز كان لهما التأثير الكبير في الرأي العام، أمَّا لاختراع الهاتف النقَّال والألواح الإلكترونيَّة فكان له الأثر الأكبر في الرأي العام، فالإعلام الرَّقمي له قدرة فائقة على تجاوز الحدود الجغرافيَّة والثقافيَّة للوصول إلى جمهور عالمي في لحظات، ممَّا يُشكِّل ثورة في عالم التواصل مقارنةً بالإعلام التقليدي الَّذي كان يعتمد على الصحف والتلفزيون والإذاعات. بفضل الإنترنت وانتشار الأجهزة الذكيَّة، أصبح بالإمكان نشر الأخبار والمحتوى الرَّقمي فَوْرَ وقوع الأحداث، ممَّا يسمح للجمهور بمتابعتها بشكلٍ لحظي، سواء كانت تلك الأحداث محليَّة أو عالميَّة.
وتمنح وسائل التواصل الاجتماعي الجمهور الفرصة ليصبحوا جزءًا فاعلًا في نشر الأخبار والمعلومات، سواء عَبْرَ التعليقات، أو مشاركة المحتوى، أو حتَّى إنتاجه بأنْفُسهم. هذا التفاعل المباشر والمستمر يُتيح تكوين مواقف جماعيَّة حَوْلَ قضايا متعدِّدة بسرعة قياسيَّة، ويُسهم في تكوين وعي جمعي مُتجدِّد ومتطوِّر، وباختصار هو يُتيح التغيير في الرأي العام.
علاوةً على ذلك، يساعد الإعلام الرَّقمي المؤسَّسات والأفراد على تخصيص الرسائل الإعلاميَّة لِتصلَ إلى جمهور محدَّد بدقَّة، باستخدام أدوات مثل التحليل البياني وتحديد الجمهور المستهدف، ممَّا يَضْمن فاعليَّة التأثير. هذا النهج يُتيح لصنَّاع القرار ووسائل الإعلام الوصول إلى مجموعات مُجتمعيَّة معيَّنة ومناقشة القضايا المهمَّة مباشرةً، ممَّا يزيد من فعاليَّة توجيه الرأي العام، ويسهِّل عمليَّة التغيير عَبْرَ مجموعات صغيرة.
ويُمكِننا القول إنَّ الإعلام الرَّقمي باتَ وسيلةً رئيسة للتأثير في الرأي العام لتنوُّع المصادر وسرعة وصول الفكرة، وسهول النقاشات وفتح باب الحوار، ممَّا يسهِّل حملات التغيير الاجتماعيّ، كمحالّ مكافحة العنف الأُسري، ومكافحة الإدمان بأنواعه، إلَّا أنَّه لتوظيف الإعلام الرَّقمي في التأثير في الرأي العام له سلبيَّاته نذكُر منها: انتشار الإشاعات والأخبار الزائفة واستغلال الخوارزميَّات لتوجيه المشاعر، وطرح أفكار غير مدروسة دُونَ ضوابط، وأفكار قد تتعارض وثوابت المُجتمعات، ممَّا يتطلب وعي الجمهور وتطوير سياسات إعلاميَّة لضمانِ المصداقيَّة والشفافيَّة، واستغلال المهاجمِين الإلكترونيين لاستغلال حسابات الجمهور؛ ممَّا يزيد من مخاوف نشر المفاهيم السلبيَّة لِتصبحَ رأيًا عامًّا مقبولًا من الجميع. ومن هنا تأتي أهميَّة ضبط وتنظيم المادَّة الإعلاميَّة المطروحة في الإعلام الاجتماعيّ، وأهميَّة تثقيف الجمهور لاختيار الأفكار الَّتي يتبنَّونها، لذا تزداد أهميَّة تفعيل دَوْر المؤسَّسات التربويَّة في نشر الوعي وتأصيل ثقافة المُجتمع لدى الشَّباب لحمايتهم من التأثر بالآراء المغايرة... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@