تُشكِّل الموانئ أحد المسارات الأساسيَّة الَّتي اعتمدت عليها سلطنة عُمان في دفع التحول الاقتصادي وربط الداخل بالخارج على أُسُس عمليَّة؛ فالتعامل مع الموانئ خرج من إطار الخدمة اللوجستيَّة الضيِّق إلى رؤية أوسع تَعدُّها أدوات لإدارة الموقع وتعزيز دَوْر السَّلطنة داخل حركة التجارة العالميَّة. ويَقُوم هذا التَّوَجُّه على ربط الميناء بالصناعة وسلاسل الإمداد والاستثمار، بحيثُ يتحول الموقع الجغرافي إلى قِيمة مضافة حقيقيَّة تدعم التنويع الاقتصادي، وتزيد من قدرة الاقتصاد الوطني على التكيُّف مع المتغيِّرات الدوليَّة. ويأتي ميناء صحار والمنطقة الحُرَّة كأحد النماذج الأكثر وضوحًا لهذا النهج، حيثُ تعمل المَرافق المينائيَّة والمنطقة الصناعيَّة والاستثماريَّة ضِمن منظومة واحدة متكاملة؛ فتجربة صحار تَقُوم على التخطيط طويل الأمد والعمل المنتظم، وهو ما انعكس في نُمو حركة التجارة وارتفاع ثقة خطوط الشحن والمستثمرين، وهذه الثِّقة لا ترتبط بعامل واحد، وترتبط ببيئة مستقرَّة، وإدارة واضحة، وبنية أساسيَّة قادرة على الاستمرار في أداء دَوْرها بكفاءة في مرحلة عالميَّة تتسم باضطراب سلاسل الإمداد وتراجع موثوقيَّة العديد من المسارات المنافسة.
قراءة أرقام النُّمو في ميناء صحار والمنطقة الحُرَّة تحتاج خروجًا من منطق الاحتفاء، والدخول إلى منطق الدلالة. فارتفاع إجمالي المناولة من نَحْوِ (62) مليون طن متري في عام 2019 إلى قرابة (72) مليون طن متري بنهاية عام 2025 لا يعكس توسعًا تشغيليًّا فقط، ويعكس انتظامًا في الأداء وقدرة على الحفاظ على الإيقاع في بيئة دوليَّة مضطربة، وخلال الفترة نفسها شهد العالم اختناقات حادَّة في سلاسل الإمداد وارتفاعًا كبيرًا في كلفة النقل واضطرابًا في الممرَّات التقليديَّة، وهو ما يمنح هذه الأرقام معناها الحقيقي، والأمر نفسه ينسحب على ارتفاع عدد السُّفن من (3144) سفينة إلى (3427) سفينة، وهو مؤشِّر على ثقة متزايدة من خطوط الشحن الَّتي لا تغيِّر وجهتها بدافع المجاملة، وتفعل ذلك حين تجد بنية قادرة على الالتزام، وإدارة واضحة، ووقتًا محسوبًا بدقَّة. ومن هذا المنطلَق تتحول الأرقام إلى شهادة ثقة في كفاءة التشغيل واستقرار القرار، وتكشف عن قدرة الميناء على العمل داخل سلاسل الإمداد العالميَّة كحلقة يُمكِن الاعتماد عليها. هذا النَّوع من النُّمو يُعَبِّر عن اقتصاد يُراكم حضوره بهدوء، ويَبني سمعته عَبْرَ الأداء المستمر، ويؤكِّد أنَّ الموانئ العُمانيَّة قادرة على المنافسة حين تتقدم الموثوقيَّة على الضجيج.
إنَّ هذا الانتظام في الأداء وتراكم الثقة قد انعكس بصورة أوضح في مسار الاستثمارات الَّتي استقطبها ميناء صحار والمنطقة الحُرَّة خلال العام الأخير؛ فتوقيع ثماني اتفاقيَّات باستثمارات تقارب (968) مليون دولار، وتخصيص نَحْوِ (76) هكتارًا لمشروعات صناعيَّة ولوجستيَّة جديدة، يكشف طبيعة مختلفة لرأس المال الداخل إلى المنظومة، وهذه الاستثمارات لا تبحث عن عبور سريع أو عائد قصير الأجل، وتسعى إلى الاندماج داخل سلاسل الإنتاج والتصدير، والاستفادة من موقع مستقر وإدارة واضحة وبنية قادرة على العمل على المدى الطويل.. وهنا تتقدم فكرة توطين القِيمة المضافة على فكرة الاستفادة من الموقع فقط، حيثُ يتحول الميناء إلى نقطة انطلاق للصناعة والصادرات، لا محطَّة عبور مؤقتة.. فهذا المسار يعكس توافقًا عمليًّا مع أولويَّات التنويع الاقتصادي وزيادة المحتوى المحلِّي، ويؤكِّد أنَّ الثقة الَّتي ظهرت في أرقام التشغيل تحوَّلت إلى التزام استثماري فعلي، يربط رأس المال بمسار الدولة الاقتصادي، ويُعزِّز قدرة الموانئ العُمانيَّة على أداء دَوْر إنتاجي داخل الاقتصاد الوطني، لا دَوْرا خدميًّا محدود الأثر.
إنَّ تجربة ميناء صحار والمنطقة الحُرَّة تكتسب معناها الكامل حين توضع ضِمن الإطار الأوسع لمسار التَّنمية في سلطنة عُمان؛ فالربط بَيْنَ التشغيل والاستثمار والمُجتمع يعكس فهمًا بأنَّ قوَّة الموانئ تقاس بحجم الحركة، وبقدرتها على خلق أثَر اقتصادي واجتماعي مستدام. كما أنَّ برامج المسؤوليَّة الاجتماعيَّة الَّتي نفَّذها الميناء، وما وصلت إليه من آلاف المستفيدين في مجالات التعليم وتنمية المهارات والرعاية الصحيَّة والبيئة تُمثِّل امتدادًا طبيعيًّا لهذا النهج، حيثُ ينظر إلى المُجتمع المحيط بوصفه شريكًا في الاستقرار لا عنصرًا خارجيًّا.. وهذه المقاربة تضع تجربة صحار ضِمن السياق الأوسع لمسار التحوُّل الاقتصادي في السَّلطنة خلال السنوات الأخيرة، مسار يَقُوم على التخطيط طويل الأمد، وبناء الثقة، وتحويل الاستقرار إلى قدرة إنتاجيَّة. وفي هذا الإطار تتجسد مستهدفات رؤية «عُمان 2040» على الأرض عَبْرَ مشروعات تعمل بهدوء، وتراكم أثَرها بمرور الوقت، وتؤكِّد أنَّ التَّنمية المستدامة تبدأ من إدارة واعية للموقع، وتنتهي ببناء اقتصاد قادر على الاستمرار والتكيُّف في عالم سريع التغيُّر.