الكرم خصلة حميدة وصفة جميلة كانت محل الثناء عند العرب، وكان صاحبها محل مدحهم وإعجابهم، واشتهر بهذه الصفة حاتم الطائي، وجاءت عنه أخبار كثيرة تبين مدى كرمه. يدخل الكرم في باب كبير في الشريعة الإسلامية، وهو باب الإنفاق، سواء على الفقير أو الضيف، أو السائل، أو الأهل والأقارب، ولا ينحصر الإنفاق على بذل المال، فهو معنى أوسع من ذلك، كما سيأتي مفهومه.
وفي مقابل الكرم يأتي البخل والشح هو من أسوأ الاخلاق عند العرب، حتى كانوا يسمون البخيل فاحشًا؛ من شدة كرههم لهذه الصفة، قال عنترة أحد شعراء العرب قبل الإسلام:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي
عقيله مال الفاحش المتشدد
كما جاء في القران الكريم ذكر البخل بلفظ الفحشاء من قوله تعالى:(الشّيطانُ يَعِدَكُم الفَقرَ وَيَأمُرَكُم بِالفَحشَاءِ وَاللهُ يَعِدَكُم مَغفِرَةً مِنهً وَفَضلًا وَاللُه وَاسِعٌ عَلِيمٌ).
عاش النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مجتمع يحب الكرم والكرماء ويثني عليهم ومع ذلك قد فاقهم كرمًا، بل شهد له من عاصره أنه أسخى الناس وأجودهم، فعن ابن العباس قال:(كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان جوده ابتغاء مرضاة الله فقط، لا لأجل شهرة أو مدح الناس).
* مفهوم الكرم: توجد عدة مترادفات للكرم عند العلماء، فما هي وما المفرق بينها:
(1) الكرم: هو الاعطاء بسهولة، وأيضًا الانفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره ونفعه، قال الجرجاني: «الكَرَم: هو الإعطاء بسهولة»، وقال المناويُّ: «الكرم: إفادة ما ينبغي لا لغرض»، (2) السخاء: قال القاضي عياض: «السخاء سهولة الإنفاق وتجنُّب اكتساب ما لا يُحْمَد»، (3) الجود: عطاء بلا مسألة، وصيانة للآخرين من ذل السؤال، وعطاء بلا مسألة، (4) البَذْل: الإعطاء عن طيب نفس.
والفرق بينها: قال القاضي عياض: «وأما الجود والكرم والسخاء والسماحة، ومعانيها متقاربة، وقد فرق بعضهم بينها بفروق، فجعلوا الكرم: الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره ونفعه، وسمّوه أيضًا جرأة، وهو ضد النذالة».
والإنفاق لا يعني المال فقط، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهن بأحلاقكم)، قال تعالى:(قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) (البقرة ـ 263)، لذلك كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ كريم النفس ويحافظ على كرامة الآخرين، فكان يكرم السائل بنفسه، وكان ينهض ويتوجه نحو الفقير ويعطيه بيده هذا تكريم للفقير لا يكفي أن تعطيه وتكون أمر الطرف الآخر أن يعطيه، وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يدخر شيء عن أصحابه.
ثمرات الكرم:
ـ خلق الأنبياء، قال الله تعالى عن كرم النبي إبراهيم:(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ) (الذَّاريات 24- 26)، أمر النبي إبراهيم أن يذبح لهم عجل سمين ويطبخ عن طريق الشوي (عجل حنيذ).
ـ الإنفاق مطلب إسلامي، وهو عبادة تثمر الأمن لمؤديها، قال تعالى:(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة ـ 274).
ـ رصيد مضاعف الحسنات، قال تعالى:(مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة ـ 261).
وفيه تربية نفسية للكريم:
1 ـ الكَرَم والجُود والعطاء مِن كمال الإيمان وحُسْن الإسلام دليل حُسْن الظَّن بالله تعالى، 2 ـ الكرامة في الدُّنْيا، ورفع الذِّكر في الآخرة، 3ـ الكريم محبوبٌ مِن الخالق الكريم، وقريبٌ مِن الخَلْق أجمعين، 4ـ الكريم قليل الأعداء والخصوم لأنَّ خيره منشورٌ على العموم، 5 ـ الكريم نفعه متعدٍّ غير مقصور، 6ـ تثمر حُسْن ثناء النَّاس عليه، 7ـ تبعث على التَّكافل الاجتماعي والتَّواد بين النَّاس، 8 ـ الكَرَم يزيد البركة في الرِّزق والعمر.
يولِّد في الفرد شعورًا بأنَّه جزء مِن الجماعة، وليس فردًا منعزلًا عنهم إلَّا في حدود مصالحه ومسؤولياته الشَّخصيَّة، 9 ـ تزكِّي الأنفس وتطهرها مِن رذائل الأنانيَّة المقيتة، والشُّح الذَّميم، 10 ـ حلُّ مشكلة حاجات ذوي الحاجات مِن أفراد المجتمع الواحد، 11 ـ إقامة سدٍّ واقٍ يمنع الأنفس من سيطرة حبِّ التَّملُّك والأثرة.
نماذج نبوية:
لقد مثَّل النَّبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ المثل الأعلى والقدوة الحسنة في الجُود والكَرَم، فكان أجود النَّاس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فكان أجود بالخير مِن الرِّيح المرسلة، «وقد بلغ ـ صلوات الله عليه ـ مرتبة الكمال الإنساني في حبِّه للعطاء، إذ كان يعطي عطاء مَن لا يحسب حسابًا للفقر ولا يخشاه، ثقة بعظيم فضل الله، وإيمانًا بأنَّه هو الرزَّاق ذو الفضل العظيم».
1. سعة كرمه: وقد بلغ ـ صلوات الله عليه ـ مرتبة الكمال الإنساني في حبِّه للعطاء، إذ كان يعطي عطاء مَن لا يحسب حسابًا للفقر ولا يخشاه، ثقة بعظيم فضل الله، وإيمانًا بأنَّه هو الرزَّاق ذو الفضل العظيم، فعن موسى بن أنسٍ، عن أبيه، قال: (ما سُئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الإسلام شيئًا إلَّا أعطاه، قال: فجاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإنَّ محمَّدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة)، وقال أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: (لو كان لي مثل أحدٍ ذهبًا ما يسرُّني ألّا يمرَّ عليَّ ثلاثٌ، وعندي منه شيءٌ إلَّا شيءٌ أرصدُهُ لدينٍ).
2. عمق كرمه: كان ينفق من الأشياء التي يحبها، ولا يتوانى في تقديم الآخرين على نفسه، أهدت امرأة إلى النَّبيِّ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ شملةً منسوجة، فقالت: (يا رسول الله، أكسوك هذه، فأخذها النَّبيُّ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ محتاجًا إليها، فلبسها، فرآها عليه رجل مِن الصَّحابة، فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذه! فاكْسُنِيها، فقال: نعم، فلمَّا قام النَّبيُّ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ لأمه أصحابه، فقالوا: ما أحسنت حين رأيت النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخذها محتاجًا إليها، ثمَّ سألته إيَّاها، وقد عرفت أنَّه لا يُسْأَل شيئًا فيمنعه، فقال: رجوت بركتها حين لبسها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لعلِّي أكفَّن فيها).
3. كرمه تربية لأصحابه: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، أنَّه سمع أنس بن مالك، يقول: كان أبو طَلْحَة أكثر أنصاريٍّ بالمدينة مالًا، وكان أحبَّ أمواله إليه «بيرحى» (اسم بستان)، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدخلها ويشرب مِن ماءٍ فيها طيِّبٍ، قال أنسٌ: فلمَّا نزلت هذه الآية: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ) (آل عمران ـ 92) قام أبو طَلْحَة إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: إنَّ الله يقول في كتابه: «لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ»، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بيرحى، وإنَّها صدقةٌ لله، أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: (بخٍ، ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، قد سمعتُ ما قلتَ فيها، وإنِّي أرى أن تجعلها في الأقربين)، فقسمها أبو طَلْحَة في أقاربه وبني عمِّه، وكان قد مَرِض قيس بن سعد بن عبادة، فاستبطأ إخوانه، فقيل له: إنَّهم يستحيون ممَّا لك عليهم مِن الدَّيْن، فقال: أخزى الله مالًا يمنع الإخوان مِن الزِّيارة، ثمَّ أمر مناديًا فنادى: مَن كان عليه لقيس بن سعد حقٌّ فهو منه بريء، قال فانكسرت درجته بالعشي لكثرة مَن زاره وعاده، كما قال عطاء أيضًا: «ما رأيت مجلسًا قطُّ أَكْرَم مِن مجلس ابن عبَّاس، أكثر فقهًا، وأعظم جَفْنَةً، إنَّ أصحاب القرآن عنده، وأصحاب النَّحو عنده، وأصحاب الشِّعر، وأصحاب الفقه، يسألونه كلُّهم، يصدرهم في وادٍ واسعٍ».
فالكرم في الإسلام لا يقتصر على بذل المال، بل يشمل حسن التعامل، والتسامح، والعفو، والبذل في كل ما فيه نفع وخير للناس، من وقت أو جهد أو علم. وهو بذلك باب من أبواب الإنفاق في سبيل الله، ووسيلة لإصلاح القلوب، وتقوية الروابط، ونشر الخير في المجتمع.
فما أحوجنا إلى أن نقتدي بنبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كرمه، لا سيما في زمن كثرت فيه الماديات، وضعُف فيه التراحم، لنكون بذلك من أهل الإحسان، ومن المتشبهين بخير خلق الله.
سامي بن محمد السيابي
كاتب عماني
نادي فنجاء الرياضي