الجمعة 23 يناير 2026 م - 4 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

الإِسراء وطبيعة الدين الإسلامي

الأربعاء - 21 يناير 2026 01:28 م
10


لقد كان حَدَثَ الإسراء الجليل، وأحداثه الكبيرة، ومرئياته المتعددة، يبيِّن بجلاء طبيعة هذا الدين، وماهِيَّة الإسلام بشكل واضح، وصريح، فالإسلام دينٌ سماوي رباني، تعاليمه واضحة، ويسهل على الجميع التزامُها: شبابًا وشيبًا، رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، سادةً ودهماءَ، عُلَماءَ وحُكَماءَ، في الشرق وفي الغرب، وفي الشمال وفي الجنوب، وفي كلِّ مراحل الحياة، في السراء والضراء، والمَنْشَط والمَكْرَه، والحرب والسِّلم، والحزن والفرح، في الإقامة والسفر، في الرضا والغضب، في البر والبحر والجو.

دين واضحٌ، أبيضُ، ناصعٌ، هو دينُ العملِ، والجِدِّ، والاجتهاد، والتواصل، لا يعرف الخمول، والكسل، ولا يرتكن إلى حياة الدعة، والتواكل، يدفع إلى العمل حتى آخرِ نفَس، يَعُدُّ السعي على الرزق من أسباب المغفرة، إنه دين التعاون، والتآخي، والتزاور، والتباذل، والفداء، والتضحية، والجهاد، وردِّ المظالم، وتقليم أظافر الظلم، والظالمين، والمفسدين، اتضح ذلك من عدد من المرئيات التي تَمَّتْ في حدث الإسراء، حيث يقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم):(لمَّا وَصَلْتُ بيتَ المقدسِ، وصلَّيْتُ فيه ركعتين أخذني العطشُ أشدَّ ما أخذني، فأُتِيتُ بإناءَيْنِ في أحدهما لبن، وفي الآخر عسل، فهداني الله تعالى فأخذت اللبن، وشربتُ، وبين يَدَيَّ (يعنى: أمامي) شيخ متكئ على منبر له، فقال ـ مخاطبًا جبريل: أَخَذَ صاحبُك الفطرةَ، إنه لمهْديٌّ، فلما خرجتُ جاءني جبريل بإناءين من خمر، وإناء من لبن، فأخذتُ اللبَنَ، فقال جبريل: أخذتَ الفطرةَ).

هذه المرئية تبيِّن طبيعة الإسلام، وأنه دين الفطرة، والنقاء، والبياض، والصفاء، ودينٌ يسهل العملُ به على الصغير، والكبير، الرجل، والمرأة، الغني، والفقير، ولا يصعُب الالتزام بتعاليمه، وضوابطه، هو دين الاستقامة التي أوضحها الإسلام في قوله:(كلُّ مولودٍ يُولدُ على الفطرة)، دين نقيٌّ، كله منافع وخيرات، فاللبن سهل شُرْبُه لكل الأعمار والأجناس، وفيه فوائد متعددة، ويتضمن كلَّ الفيتامينات الصالحة للإنسان، ولا يسبب تناوله آلامًا، وهو سهلٌ هضمُه، ولا يحتاج إلى جهد في الاستفادة منه، ولذلك فكل الأطعمة تقول عند تناولها:(وزدنا خيرًا منه)، أما اللبن فتقول عند تناوله:(وزدنا منه)، لأنه لا خير من اللبن، فهي مرئية تكشف عن جلال الإسلام، وصفاء تعليماته.

وفي رواية أخرى لهذه المرئية أن الرسول الكريم (أُتِي بثلاثة آنية مُغَطَّاةٍ أفواهُها، فأُتِي بإناء منها فيه ماء، فشرب منه قليلًا، ثم رُفِعَ إليه إناء فيه لبن فشرب منه حتى رَوِيَ)، وفي رواية أنه سمع قائلًا يقول:(إنْ أخذ اللبن هُدِيَ، وهُدِيتْ أمته، ثم رُفِعَ إليه إناءٌ من خمر، فقيل له: اشربْ، فقال: لا أريده، فقد تَرَوَّيْتُ، فقال له جبريل: إنها ستحرم على أمتك)، وفي رواية أنه سمع قائلًا يقول:(إنْ أخذ الخمر غَوِيَ، وغَوِيَتْ أمَّتُهُ).

كل تلك الروايات توضِّح أن الإسلام هو الدين الذي يتناسب مع الفطرة الإنسانية، ويتناغم مع الطبيعة النقية، والنفس السوِيَّة، والمطالب اليسيرة، والتشريعات السلسة:(إن الدين عند الله الإسلام)، إسلام السلوك، إسلام القلب، إسلام الفكر، إسلام الطاعة، إسلام الوجه، إسلام العمل، وإسلام التوجه والشعور، إسلام الولاء والبراء، وصدق الانتماء، وهناك مرئية تتآزر مع تلك المرئية وتكملها؛ لأنها تبين طبيعة الإسلام في الجد، والاجتهاد، والجهاد، والسعي، والعمل، وتسهم في بناء المجتمعات الفاضلة، والأمم القوية، والشعوب الحية الراقية، حيث (رأى النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ قوما يزرعون في يوم ـ يعني في وقت ـ ويحصدون في يوم أي: في الوقت نفسه ـ وكلما حصدوا عاد كما كان، فسأل جبريل ـ عليه السلام ـ عن تفسير ذلك، فقال: هؤلاء هم المجاهدون في سبيل الله، تُضاعَف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، «وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه»).

إن هذه المرئية توضِّح أن البركة في العمل، وأن زيادة الرزق منوطة بالحركة، ومرتبطة بالاجتهاد، وأعلى الاجتهاد هو الجهاد في سبيل رفعة الدين، وإقامة شعائره، وشرائعه، وأحكامه؛ حفاظًا على المجتمع، وصَوْنا لبنيانه، وتوطيدًا لأركانه، والمجاهد في سبيل الله لا يقتصر جِهَادُهُ على حمل السيف، والذهاب إلى ميدان القتال حيث القنابلُ، وأصواتُ المدافع، وضرباتُ الدبابات، وتطايرُ الرؤوس، وتعالِي الصيحاتِ، وارتفاعُ الصرخات، هذا أعلى أنواع الجهاد، وأهم أركانه، وهو ذروة سنام الإسلام، لكنْ يبقى أن ينضم إليه كلُّ جهادٍ، مِنْ شأنه الارتقاءُ بالوطن، والحفاظُ على أمنه، وأمانه، واستقراره، والحرص على مؤسساته، ومقدراته من عبث العابثين، وجهل الجاهلين، كما يدخل في الجهاد كلُّ مَنْ يعمل في متجره، ومصنعه، ومزرعته، وجامعته، ومؤسساته: الصحفية، والاقتصادية، والسياسية، والعلمية، والثقافية، يدخل فيه كل من يمسك بالفأس والقدُّوم والمِقْطف، مَنْ يحتطب ليرتزق، ومن هو أمام الآلة يصنع، وتحت لهيب النيران يعمل، وفوق أسطح المنازل يبني، وتحت الأرض يستخرج ما في بطنها، ويحلل، أو يركِّب ماسورةً انكسرت، أو يُسَفْلِتُ، أو يُعَبِّدُ طريقا، أو يصلح آلةً فسدت، أو ساعة توقَّفَتْ، يدخل فيه مَنْ في مشفًى يعالِج، أو في كُتَّاب يحفِّظ، أو مَنْ في أرضه يحرث، أو مَنْ على ثَغْرٍ يحرس، وفي الحديث الشريف:(عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، سَوَّى الإسلام بين العين الباكية من الخشية وهي بعيدة عن أماكن الكر والفر، وجعلها تعدل الجهاد والحراسة في ميدان القتال ، لا يفترق الجهاد في سبيل الله كَرًّا وفَرًّا عن كل جهاد يَبْنِي، ويُعَمِّر، اللهم إلا أن الجهاد في سبيل الله هو سنام الإسلام وعموده.

إن الساعي على المسكين واليتيم، والأرملة كالمجاهد لا يفتر، والصائم لا يُفطر، وإن مفهوم الجهاد يتسع ليشمل الخطرة التي تجول بخاطر الإنسان، ينوي فيها خدمة رجلٍ كبيرِ السن، أو القطرة من الدم يتبرع بها المرء لشخص محتاج إلى نقل دم، أو قطرة تضعها في عين مريض لتشفى عينه، أو تعدل شرحَ درسٍ لإنسان ضعيف الفهم، أو نظرة صادقة لأبوين نائمين يغطان في نومهما، أو مسحِ بيدٍ كريمة حانية على رأس يتيم، أو حمْل حقيبة لسيدة عجوز، طعَن بها السِّنُّ، فهي تمشي بطيئة الخُطَى، متقَوِّسة الظهر، متدلية الحاجب، أو الأخذ بِيَدِ طفلٍ صغير يريد أن يعبر شارعا تمضي فيه السيارات بسرعة، أو رفْع شيء ثقيل عن كاهل إنسان بدا عليه أثَرُ التعب، وتَصَبَّبَ منه العرقُ، قال تعالى:(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نُزُلا خالدين فيها لا يبغون عنها حِوَلا). إن الجهاد كلمة واسعة المفهوم، متعددة الدلالة، تلتقي مع كل عمل صالح يُفيد، ويُضيف، ويُسْعِد، ويُزيح هَمًّا، وينتشل غَمًّا، إنَّ الإسراءَ بِمَرائيه السامية يكشف عن طبيعة هذا الدين الكريم الذي هو أبيضُ، سهلٌ، ميسور، فيه البشارة وفيه البسمة، وفيه الجهاد والسعي، وفيه الرجولة والإباء، وفيه اللِّين والراحة، وفيه الجد والعمل، اللهم لك الحمد على نعمة هذا الدين، والاقتداء بسيد المرسلين، وإمام المتقين، اللهم اجعلْنا مِنْ خُدَّامِ دينك، الساعين إلى نَشْرِهِ، المستشهِدِين في سبيله والذود عنه، العاملين بكلِّ ما فيه، المدركين لعظمته، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، نعم المولى، ونعم النصير، وكل عام وأنتم وجميعُ مسلمي الكون بخير ونعمة، وصحةٍ وَمِنَّة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]