يُعَدُّ الوقف من أعظم النُّظم الحضاريَّة الَّتي عرفها العالم الإسلامي، إذ يجمع بَيْنَ البُعد الإنساني والاقتصادي والاجتماعي. وقد عُرف الوقف قديمًا بأنَّه حبس المال وتخصيص ريعه لأوجُه الخير، مثل بناء المساجد، ورعاية الفقراء، ودعم التعليم. ومع تطوُّر العصر وتغيير احتياجات المُجتمعات، أصبح من الضروري النظر إلى الأوقاف بأفكار حديثة تواكب التحدِّيات الجديدة.
ولم يَعُدْ دَوْر الوقف مقتصرًا على الأعمال الخيريَّة التقليديَّة، بل اتَّسع لِيشملَ مجالات التنمية المستدامة. فظهرتِ الأوقاف التعليميَّة الَّتي تدعم البحث العلمي، وتوفِّر المنح الدراسيَّة، وتُسهم في تطوير التكنولوجيا والمعرفة. كما انتشرت الأوقاف الصحيَّة الَّتي تموِّل المستشفيات، وتدعم علاج المرضى، وتشارك في حملات الوقاية الصحيَّة.
ومن الأفكار الحديثة في مجال الأوقاف إنشاء الأوقاف الاستثماريَّة، حيثُ تُدار أموال الوقف بأساليب اقتصاديَّة حديثة تَضْمن استمراريَّة العائد وزيادته، مع الحفاظ على أصل الوقف. ويساعد هذا النَّوع من الأوقاف في تقليل الاعتماد على التبرُّعات المؤقتة، وتحقيق الاستقلال المالي للمؤسَّسات الخيريَّة، كما يؤمن استدامة الوقف الخيري.
فالوقف نظامًا مرنًا وقادرًا على التجدُّد، إذا أُحسن استثماره وإدارته. ومع تبنِّي الأفكار الحديثة، يُمكِن للأوقاف أن تكُونَ أداة فعَّالة في تنمية المُجتمعات، ومواجهة الفقر، ودعم الخدمات الأساسيَّة كالتعليم والصحَّة، وبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
وتُعَدُّ الأوقاف من أقدم النُّظم الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة الَّتي عرفتها الحضارة الإسلاميَّة، وقد شكَّلت عَبْرَ التاريخ ركيزةً أساسيَّة في بناء المُجتمع وتحقيق التكافل الاجتماعي. فالوقف يقوم على تخصيص مالٍ أو أصلٍ ثابت، يُحبس أصله ويُصرف ريعه في وجوه الخير والنفع العام. ومع تطوُّر المُجتمعات وتغيُّر احتياجاتها، برز الدَّوْر الحديث للأوقاف بوصفها أداة فعَّالة لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.
في مرحلة ما اقتصر دَوْر الأوقاف على بناء المساجد، ورعاية الفقراء، وكفالة الأيتام، وتمويل التعليم التقليدي. إلَّا أنَّ في عصور ازدهار الوقف الخيري، توسَّع مفهوم الوقف لِيشملَ مجالات تنمويَّة أوسع، مثل دعم التعليم العالي، وتمويل البحث العلمي، وتطوير القِطاع الصحِّي، والمساهمة في الحدِّ من البطالة والفقر. وأصبحت الأوقاف اليوم شريكًا مهمًّا في التنمية إلى جانب الدَّولة والقِطاع الخاص.
كذلك ظهر مفهوم الوقف الاستثماري الَّذي يُدار وفْقَ أُسُس اقتصاديَّة حديثة، تَضْمن استدامة العائد وزيادة الموارد مع الحفاظ على أصل الوقف. ويُسهم هذا النَّوع من الأوقاف في تمويل المشاريع الصغيرة، ودعم الأُسر المنتجة، وخلق فرص عمل جديدة، ممَّا ينعكس إيجابًا على الاقتصاد المحلِّي ويُعزِّز الاستقرار الاجتماعي.
ومع التطور التكنولوجي، دخلت الأوقاف مرحلة جديدة من خلال التحوُّل الرَّقمي، حيثُ أُنشئت منصَّات إلكترونيَّة لإدارة الأوقاف والتبرعات، مما ساعد على تعزيز الشفافيَّة، وسهولة الوصول، وزيادة ثقة المُجتمع، خصوصًا فئة الشَّباب. كما ساعدت التقنيَّات الحديثة في تحسين إدارة الأصول الوقفيَّة وتوجيهها نَحْوَ المشاريع الأكثر تأثيرًا في التنمية.
ويتضح أنَّ الأوقاف لم تَعُدْ مجرَّد عمل خيري تقليدي، بل أصبحت مؤسَّسة تنمويَّة حديثة قادرة على المساهمة الفاعلة في بناء المُجتمع وتحقيق التنمية المستدامة. وإذا أُحسن تخطيطها وإدارتها وفْقَ رؤية معاصرة، فإنَّ الأوقاف يُمكِن أن تكُونَ من أهم الأدوات في مواجهة التحدِّيات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، وبناء مستقبل أكثر عدلًا وتكافلًا للمُجتمع، لا سِيَّما إذا ما اعتمدت على استثمار الأصول الوقفيَّة، سواء كانت منقولة أو غير منقولة، فعوائد الاستثمار تسند موازنة الدَّولة وتسهم في دعم الخدمات المقدمة لأفراد المُجتمع.
كما يُسهم الوقف الاستثماري في تنشيط الاقتصاد الوطني عَبْرَ استثمار أصوله في مشاريع إنتاجيَّة وتجاريَّة وعقاريَّة. هذه الاستثمارات تؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة، وزيادة الدخل القومي، وتحريك عجلة الاقتصاد. ونتيجة لذلك، ترتفع الإيرادات العامَّة للدَّولة من خلال الضرائب والرسوم المرتبطة بالنشاط الاقتصادي، وهو ما ينعكس إيجابًا على ميزانيَّة الدَّولة.
ومن أوجْه الإسهام المهمَّة أيضًا أنَّ استثمار الوقف الخيري يُعزِّز مبدأ التنمية المستدامة، حيثُ يوفِّر مصادر تمويل دائمة للمشاريع الاجتماعيَّة دُونَ الاعتماد المستمر على الموازنة العامَّة. وهذا يساعد الدَّولة على تحقيق توازن مالي أفضل، وتقليل العجز في الميزانيَّة، خصوصًا في ظلِّ التحدِّيات الاقتصاديَّة المعاصرة.
وهنا تبرز أهميَّة تشجيع أفراد المُجتمع على ترشيد الإنفاق، وبالتَّالي زيادة قدرتهم على الادخار، واستخدام هذا الادخار في إنشاء أوقاف خيريَّة، تُشكِّل مأمنًا اقتصاديًّا للأجيال القادمة، وتُعزِّز الاقتصاد على المدى البعيد، فتشجيع الواقفين على وقف أموالهم يعطي بُعدًا استراتيجيًّا لاقتصاد الدَّولة ويحفظ مستقبل الأجيال... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@