السبت 24 يناير 2026 م - 5 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

الاقتصاد ضحية «نارسيس» الجديد

الاقتصاد ضحية «نارسيس» الجديد
الأربعاء - 21 يناير 2026 07:07 ص

جودة مرسي

20


يأتي العام 2006 برياح عاصفة تحمل تنبؤات غير سارَّة اقتصاديًّا على مستوى العالم، تؤكدها تحليلات وأخبار العديد من مراكز الدراسات. وما شاهدناه منذ بداية العام الَّذي لم يكمل شهره الأول يؤكد صِدق هذه التحليلات، ويأتي تركيز هذه التحليلات على أسعار النفط وتأثيرها على الاقتصاد العالمي. وبطبيعة الحال، كانت أحداث فنزويلا الساخنة، وإفصاح الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استحواذه على نفط ومعادن فنزويلا، والتلميح إلى بعض الدول الأخرى والَّتي سيكُونُ مصيرها مشابهًا لِمَا حدَث في فنزويلا، ولأنَّنا نعيش في لحظة موتورة من عُمر الإنسانيَّة، أصبح العالم يحبس أنفاسه في عصر جديد بقوانين جديدة لم تعرفها البشريَّة من قَبل، ورُبَّما تكُونُ الأقرب لقوانين فرض السيطرة لِمَن يملك القوَّة تعتمد على السياسة الواقعيَّة الَّتي يتخذها الرئيس الأميركي ترامب (القوَّة العسكريَّة، السياسة، التقنيَّة)، ممَّا انعكس في «هوس إخباري» يطاردنا بمعلومات عمَّا حدَث وما يُمكِن أن يحدُث، ومَن الضحيَّة القادمة، بعد أن تعددت أسماء الدول؟ ومتى يُمكِن كبح جماح عنجهيَّة القوى المستندة إلى ترسانات الأسلحة الفتاكة، وإيقاف اللهث وراء السلعة الاستراتيجيَّة الأولى والأقوى والَّتي ستتسبب في أيِّ صراع قادم (النفط)، كما تسببت سابقًا؟ لذلك هو المرشح الأول للارتفاع وقلب موازين الاقتصاد في العام الجديد، حيثُ الأحداث جعلت التوقعات تكثر والتفاؤل يتراجع لنعيش المأساة مع الملهاة، والجديَّة مع السخرية، والرصانة مع المجون.

تتَّجه أنظار العالم إلى ما يحدُث وما هو متوقع لِمَا يُمكِن أن يحدُث، في ظلِّ التهديدات الأميركيَّة للعديد من الدول، أو للتصعيد المنتظر من جانب الحكومة المتطرفة الَّتي تحكم الكيان المحتل للأراضي العربيَّة في فلسطين. وبطبيعة الحال، تتَّجه الأنظار إلى الشرق الأوسط، حيثُ يُمرِّر يوميًّا نَحْوَ (20%) من النفط العالمي عَبْرَ مضيق هرمز، وهو ممرٌّ رئيس لإمدادات النفط والغاز، وأيّ تعطيل لهذه الإمدادات يؤدي تلقائيًّا إلى ارتفاع أسعار النفط، نتيجة تزايد المخاطر الجيوسياسيَّة لأنَّ الأسواق ترى خطر انقطاع الإمدادات، حتَّى أنَّ مجرَّد التوقعات وليس الانقِطاع الفعلي يؤدي إلى زيادة التوتُّرات ويكفي هذا لزيادة سعر برميل النفط مؤقتًا، وكما تتوقع الدراسات لارتفاع الأسعار عند تصعيد الصراع بَيْنَ الكيان المحتل وإيران (أو مع جبهات أخرى في المنطقة)، حينها ترتفع الأسعار بسبب مخاوف السوق من تعطيل الإمدادات ممَّا سيؤدي مباشرة إلى ضغوط تضخميَّة في الاقتصادات الكبرى؛ لأنَّ الطاقة تُشكِّل جزءًا كبيرًا من تكلفة الإنتاج والنقل، على سبيل المثال كُلّ زيادة قدرها (10 دولارات) في سعر النفط يُمكِن أن ترفع معدَّل التضخم بنَحْوِ (0.5%.)، ممَّا يعني أنَّ أسعار السلع والخدمات ترتفع، ممَّا يضع ضغوطًا على الأُسر والشركات في العالم، ومن ضِمن التأثيرات الأخرى تباطؤ النُّمو الاقتصادي؛ لأنَّ ارتفاع أسعار النفط يمتص الإنفاق الاستثماري والاستهلاكي، وبالتَّالي يقلِّل من النُّمو الاقتصادي، حتَّى أنَّ المؤسَّسات الدوليَّة مثل البنك الدولي عدَّل توقعات النُّمو العالمي جزئيًّا بسبب المخاطر الجيوسياسيَّة.

إنَّ من أهمِّ المؤثِّرات المباشرة ارتفاع تكاليف النقل والطاقة، خصوصًا الشحن الجوي والبحري، حيثُ إنَّ ارتفاع أسعار النفط يزيد من تكلفة الخدمات ويؤثِّر على أعداد كبيرة من السلع العالميَّة، كما سيشهد الاستثمار في مثل هذه الحالات التحول إلى «الأصول الآمنة» وهذا ما يحدُث دائمًا عند التوتُّرات، حيثُ يميل المستثمرون إلى بيع الأسهم والمنتجات ذات المخاطر العالية والتحوُّل إلى أصول مثل الذهب أو السندات الحكوميَّة، ما يزيد من تقلُّب الأسواق الماليَّة عالميًّا.

خلاصة القول: إنَّ ما قام وسيقوم به الرئيس الأميركي مع بداية العام الجديد 2026 هو انقلاب اقتصادي سيشهد العالم تأثيره في الفترة القادمة، وكانت أحداث فنزويلا هي البداية، والتهديدات المعلنة لبعض الأماكن الأخرى من العالم، ومنها الشرق الأوسط ستكُونُ بداية حلقة من الانهيار الاقتصادي العالمي بعد اشتعال الصراعات في العديد من الأماكن الساخنة بالعالم. إنَّنا أمام (نارسيس) جديد سعيد بغروره وأنانيَّته، صانع للمأساة، ظانًّا أنَّه يصنع لشَعبه بدايات جميلة، وفي الأصل هو يقطع الشجرة لِكَيْ يقطفَ ثمرة.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»