كان التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا مطلع الشهر واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى نيويورك عمليَّة استعراض للقوَّة لا تقدر عليها رُبَّما سوى الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة. ورغم أنَّ العمليَّة تمَّت في ظلام الليل وفي ساعات قليلة، إلَّا أنَّ الضجيج الَّذي أحدثته بعدها أعلى من ضجيج أيِّ حرب ومعارك تقليديَّة. رُبَّما يعتقد البعض أنَّ الولايات المُتَّحدة ليست بحاجة إلى «ضجيج القوَّة» لِيعرفَ العالم أنَّها أكبر قوَّة عسكريَّة فيه. لكنَّ الواقع أنَّ أميركا بحاجة إلى هذا الضجيج لأسباب عدَّة. أوَّلها وأهمُّها طبعًا أنَّها تعطي رئيسها دونالد ترامب الفرصة للتَّباهي وهو رجُل أصلًا قادم من مجال التلفزيون و»أعمال الاستعراض» (الشو بيزنس). كما أنَّها جعلته يزيد من تصريحاته عن التدخل في جرينلاند وكوبا وإيران وغيرها دُونَ أيِّ اعتبار لقوانين دوليَّة أو أعراف أو قواعد. وقال ذلك بالفعل في مقابلته الصحفيَّة الأخيرة إنَّه لا قيود عليه ولا يوقفه قانون دولي وإنَّما فقط ما يَدُور بخلده!
ثم إنَّ ضجيج القوَّة الأميركيَّة، خصوصًا في إجراءات لا تستند إلى أيِّ مبرِّر أو قانون أو عُرف، هو اختبار لردِّ فِعل العالم على مدى ما يُمكِن أن تذهبَ إليه أميركا. وقد أثبتَ ردُّ الفعل على التدخل في فنزويلا والتهديد بأخذ جرينلاند أنَّ ضجيج القوَّة الأميركيَّة جعل الكُلَّ يُحجم عن أيِّ ردِّ فِعل. حتَّى هؤلاء الَّذين برَّروا موقفهم المؤيِّد على استحياء للإجراء الأميركي بخطفِ رئيس دولة ذات سيادة على اعتبار أنَّه «ديكتاتور» لم يفعلوا ذلك عن قناعة ولا من أجْل الديموقراطيَّة والحُريَّة ومصالح شَعب فنزويلا. إنَّما اتَّخذوا مواقفهم على أساس عدم إغضاب الرئيس ترامب فقط. وهذا ما أعطى ضجيج القوَّة الأميركيَّة صوتًا أعلى ومدى أوسع. إلَّا أنَّ الأهمَّ ـ في تصوُّري ـ هو أنَّ ضجيج القوَّة هذا يعني التغطية على أزمة حقيقيَّة في الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة تتعلق بالسياسة الاقتصاديَّة والماليَّة للقوَّة العظمى الوحيدة وعلاقتها بالعالم. فعلى عكس كُلِّ ما يبدو على السَّطح من مؤشِّرات اقتصاد كُلِّي جيِّدة نسبيًّا هناك أزمة هيكليَّة تعني ضعفًا مطَّردًا في أكبر اقتصاد في العالم.
فالتعريفة الجمركيَّة الَّتي فرضتها إدارة ترامب على كُلِّ العالم تقريبًا لم تُحقق عائدًا يقلِّل العجز في الميزانيَّة أو يخفض من حجم الدَّيْن العام. والضغط من إدارة ترامب على البنك المركزي لخفض الفائدة أدَّى إلى هبوط الدولار الَّذي فقَدَ أكثر من عشرة في المئة من قِيمته ويواصل الانخفاض. ومع أنَّ ذلك يفترض أن يقلِّلَ من حجم خدمة الدَّيْن الأميركي ويزيد من تنافسيَّة الصادرات الأميركيَّة، إلَّا أنَّ أيًّا من الاثنين لم يحدُث، بل رُبَّما يحدُث العكس. وتزيد التوقُّعات بعودة معدَّلات التضخم للارتفاع بالتزامن مع ضعف سوق العمل. ومزيج التضخم والبطالة هو ما يعرف بأنَّه «مؤشِّر البؤس» الَّذي يعني ارتفاعه دلالة على أزمة عميقة مقبلة. ويعاني أغلب المواطنين الأميركيين حاليًّا من مُشْكلة «القدرة على تحمُّل تكاليف المعيشة» على عكس كُلِّ التصريحات الورديَّة لترامب وفريقه الاقتصادي. فضجيج القوَّة العسكريَّة إذًا هو غطاء لأنين اقتصادي مكتوم لم يصل بعد إلى حدِّ الأزمة لكنَّه على وشك.
على عكس ضجيج القوَّة الأميركيَّة، هناك تحرُّك خافت، لا يكاد يُسمع له صوت، من جانب قوى عالميَّة يُمكِن أن يسرعَ من تفاقم أزمة أميركا الاقتصاديَّة والماليَّة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ اتِّجاه نَحْوَ نصف دول العالم لحسمِ معاملاتها الماليَّة ومدفوعاتها الخارجيَّة بعيدًا عن الدولار. ولا يعني ذلك التأثير في دَوْر العملة الأميركيَّة القيادي في العالم فحسب، بل إنَّ اختيار كثير من الدول استخدام أنظمة غير نظام «سويفت» المستغل أميركيًّا للهيمنة الماليَّة العالميَّة يعني تآكل تلك الهيمنة. ليس هذا فقط، بل إنَّ كُلَّ التسويات الماليَّة في العالم الَّتي كانت تمرُّ عَبْرَ البنوك الأميركيَّة، وتحصل منها رسومًا هائلة، بدأ كثير منها يتحول إمَّا إلى التسويات في زيوريخ بأوروبا أو بالحسم عَبْرَ نُظُم مدفوعات أخرى مثل النظام الصيني أو غيره. ففي عام 2015، طوَّرت الصين «نظام المدفوعات بَيْنَ البنوك العابر للحدود» (سي آي بي إس) الَّذي يشرف عليه بنك الشَّعب (المركزي) الصيني. ويستخدم النظام كبديل لنظام «سويفت» في تعاملات تهيمن عليها العملة الصينيَّة بدلًا من الدولار مع الشركاء التجاريين. وكانت روسيا طوَّرت قَبل ذلك بعام «نظام نقل الرسائل الماليَّة» (إس بي إف إس) للمؤسَّسات الماليَّة المحليَّة والعالميَّة واشترك فيه عددٌ من المصارف والمؤسَّسات الماليَّة من شركاء روسيا التجاريين. وهيمنَ على النظام التعامل بالروبل الروسي دُونَ الحاجة للحسم مقابل الدولار في المدفوعات والتحويلات والمبادلات. بدأ التوسُّع في نظام «سي آي بي إس» في التعاملات بَيْنَ الصين ودول مجموعة «آسيان»، وزادت التسويات عَبْرَ النظام الصيني مع دول الخليج وبقيَّة دول الشرق الأوسط أيضًا. وهناك الآن نَحْوَ (200) دولة تشترك في النظام الصيني المنافس لنظام «سويفت». يُمكِن النظام الصيني العملاء من تنفيذ التحويلات الماليَّة في زمن قياسي لا يتجاوز سبع ثوانٍ، متجاوزًا بذلك بطء وتعقيد النظام التقليدي «سويفت» الَّذي تأخذ المعاملات عَبْرَه ما بَيْنَ ثلاثة وخمسة أيَّام عمل. كما أنَّ النظام الصيني يخفض رسوم التحويلات والمدفوعات والمبادلات بنسبة تصل إلى (98) في المئة عن رسوم النظام التقليدي.
د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري