السبت 24 يناير 2026 م - 5 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

فطور صباحي لنوارس بغداد

فطور صباحي لنوارس بغداد
الأربعاء - 21 يناير 2026 07:00 ص

عادل سعد

50


•على امتداد جسور بغداد ومع إطلالات صباحات المدينة تزدحم أرصفتها بمتنزهين أولويَّتهم إطعام النوارس المحلِّقة على مقربة منهم، مشهد احتفائي تتابع وقائعه بالمزيد من الحبور كُلَّ يوم جمعة، حيثُ تتزاحم النوارس في مجموعات تحليق تتنافس على فتات أطعمة تُرمى لها، ومن النادر جدًّا سقوط بعضها في نهر دجلة لمهارة الطيور في التقاطها، وإذا حصل العكس تضطر إلى ملاحقتها على سطح الماء وعندها فقط تظل عائمة بعض الوقت ثم تنتظم مجددًا مع النوارس الأخرى لِتنالَ حصَّة إضافيَّة من الوليمة.

•إنَّني أحرص على التمتع بهذا المشهد، وقد أتأخر دقائق عن ملاقاة صديقي الدكتور الفريق المتقاعد مارد عبد الحسن الحسون الَّذي ينتظرني عادةً عند قاعدة تمثال الشاعر معروف الرصافي استعدادًا للجولة السياحيَّة المعتادة.

•مشهد الإقبال على إكرام النوارس يتناغم وقائعيًّا في حياة البغداديين حيثُ يتوافد على الجسور عراقيون من مختلف الأعمار، بل وينضمّ إليهم أحيانًا أجانب من جنسيَّات مختلفة، أمَّا أغلب الأطعمة فهي فتات الخبز ولكن بعض النساء يجلبن ما زاد من الأطعمة المطبوخة للمشاركة في تنويع الوليمة.

•أكثر جسور بغداد ازدحامًا بهذا المشهد هو جسر الشهداء (المأمون سابقًا)، أقدم جسورها الحديثة الموثَّق في قصيدة للشاعر محمد مهدي الجواهري، والأسبق ما وثَّقه الشاعر العباسي علي بن الجهم في القرن الثاني الهجري سنة 188 ميلاديَّة عن المعبر نفْسه بقصيدة مطلعها (عيون المها بَيْنَ الرصافة والجسر - جلبن الهوى من حيثُ أدري ولا أدري).

•يربط الجسر بَيْنَ مقاربة لشارع حيفا في جانب الكرخ وشارع المتنبي، الَّذي يتوافد عليه في ذات اليوم أدباء، موظفون، طلبة، عمَّال، متقاعدون يستأنسون في رحلة سياحيَّة على الأقدام يستطلعون عناوين الكتب المعروضة على رصيفي الشارع.

•وفق متابعتي، جميع نوارس بغداد بلون أبيض رغم أنَّ هناك أكثر من أربعين نوعًا من هذا الطائر لونًا وحجمًا.

•لقد صار انشغال أهالي العاصمة العراقيَّة بتضييف النوارس جزءًا من قائمة انشغالات بتربية الحيوانات والطيور، وتُعَدُّ (سوق الغزل) بزارًا مفتوحًا لهذا النوع من التجارة، حيثُ ترتفع أسعار بعض الطيور النادرة إلى أكثر من مليون دينار عراقي، أي ما يعادل (700) دولار أميركي للطائر الواحد، وتشهد السوق مساومات وإشادات عن مميزات بعض الطيور، بل ويتحدثون عن ذكاء بعضها، كما فيه دكاكين مخصَّصة لبيع وشراء الغزلان والكلاب والقطط والأفاعي والأرانب والسناجب والسلاحف الَّتي يقال إنَّ تربيتها في المنازل تجلب الرزق.. والطريف المدهش في هذا السوق أنَّ أنواعًا من البلابل تخرج من أقفاصها وتَعُود إليها بحُريَّة تامَّة وترفض المغادرة رغم المتاح لها الانطلاق في الفضاء.

•بغداد تاريخيًّا أشْبه بمحميَّة ومأوى للكثير من أنواع العصافير والحمام المنزلي والبَري والهداهيد (جمع هدهد)، لكنَّها تعرَّضت لكارثة بما فيها النوارس تحت رعب القصف الأميركي الَّذي مهَّد الطريق لاستكمال احتلال المدينة في التاسع من أبريل (نيسان) عام 2003، فقد أفزع القصف الطيور، أغلبها نفقَ خلال إصابات مباشرة، بَيْنَما اضطر بعضها الآخر إلى الهجرة باتِّجاه الضواحي ينشد الحماية بالبساتين، حتَّى بات من النادر أن تجدَ طيرًا واحدًا في فضاء المدينة. وأذكر أنَّني أشرتُ إلى هذا الإفلاس البيئي ضِمن بحثٍ لي عن عيوب المصالحة الوطنيَّة في العراق خلال مشاركتي ضِمن ندوة أقامتها الجامعة الأميركيَّة في بيروت عام 2018 وقلت بمفارقة، مثلما تعرَّض النسيج الاجتماعي إلى التفكك نتيجة التجاذبات الحصصيَّة الطائفيَّة والمناطقيَّة كذلك أفلست البيئة العراقيَّة من التنوع الأحيائي المتماسك الَّذي كان يميِّزها، لكن مصالحة حصلت بَيْنَ بغداد و(سكَّانها) الطيور إثر عودة الأمور إلى انسيابها الطبيعي واختفاء الشَّد الأمني، وكانت النوارس الأسبق في إعلان مصالحتها مع المدينة، بَيْنَما خضعت المصالحات البشريَّة إلى تجاذبات أخَّرت إتمامها الطبيعي نسبيًّا.

•إنَّ النوارس وهي تواظب الآن على تناول فطورها الصباحي بكرم عراقي، تظلُّ هذه المتعة عنوانًا للسلام، انسجامًا مع الاسم الآخر لبغداد (مدينة السلام) وفْقَ توصيف الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور.

عادل سعد

كاتب عراقي

[email protected]