ما يجري في مدينة القدس المُحتلَّة من إجرام صهيوني لا يحتاج توصيفًا جديدًا، ويحتاج اعترافًا صريحًا بطبيعته؛ فنحن أمام مشروع اقتلاع منظَّم يُنفَّذ بهدوء إداري، وتحت عناوين قانونيَّة صهيونيَّة مبتذلة مصمَّمة خصيصًا لتفريغ المدينة من أهلها، وبيان مكتب الأُمم المُتَّحدة لحقوق الإنسان لم يأتِ لِيكشفَ حقيقة غائبة، وجاء لِيضعَ ختمًا دوليًّا على سياسة قائمة، ألا وهي تفكيك الوجود الفلسطيني قطعة قطعة عَبْرَ التهجير القسري، وهدم المنازل، وتوسيع الاستيطان في النقاط الأكثر حساسيَّة؛ فما يحدُث في سلوان، وما يُراد فرضه في منطقة (E1)، يكشف منطقًا واحدًا يحكم المشهد، هو عزل القدس المُحتلَّة عن محيطها الفلسطيني، وفصل الضفَّة إلى كانتونات بلا تواصل، وتحويل السكَّان إلى أرقام مؤقتة في خرائط السيطرة.. هنا لا نتحدث عن تجاوزات، لكن نتحدث عن إدارة واعية للصراع؛ باعتباره معركة ديموجرافيَّة طويلة الأمد، تخاض على الأرض وعلى البَشَر في آنٍ واحد، وسط صمتٍ دولي يسمح بمرور المشروع خطوةً بعد خطوة دُونَ كلفة سياسيَّة حقيقيَّة، والغريب أنَّ هذا الصَّمت موثَّق من المؤسَّسات الأُمميَّة في محاولة لغسل الأيدي.
الغريب أنَّ القانون الدولي لا يزال يظهر في المشهد بوصفه حاضرًا بالنصوص، غائبًا بالفعل، وهي المفارقة الَّتي تفسِّر جرأة الكيان الصهيوني في المُضي قُدمًا دُونَ خشيةٍ حقيقيَّة من العواقب. والرأي الاستشاري الصَّادر عن محكمة العدل الدوليَّة في يوليو 2024 كان واضحًا في توصيفه للاحتلال بوصفه وجودًا غير قانوني، وفي إدانته الصريحة لسياسات التهجير القسري والهدم والتوسُّع الاستيطاني؛ باعتبارها انتهاكًا مباشرًا لاتفاقيَّة جنيف الرابعة.. هذه الخلاصات لم تكُنْ محلَّ خلاف قانوني، وكانت موثَّقة ومُعلَنة، ومع ذلك لم تتحول إلى أدوات ضغط فعلي، وبقيَتْ حبيسة الأرشيف الأُممي، وهو ما يكشف أزمةً أعمق من مجرَّد تقاعس سياسي، أزمة بنيويَّة في النظام الدّولي نفْسه، حيثُ تنتج الأحكام لتسجيل المواقف، لا لتغيير الوقائع، ويستخدم القانون كمساحة أخلاقيَّة لتبرئة الضمير العالمي، لا كآليَّة ردع! وفي هذا الفراغ بَيْنَ النَّص والتنفيذ، يتحرك الاحتلال بأريحيَّة كاملة، مدركًا أنَّ أقصى ما سيواجهه بيانات إدانة متأخرة، لا تَمسُّ جوهر المشروع ولا تفرض كلفة سياسيَّة أو اقتصاديَّة حقيقيَّة، وهو ما يحوِّل العدالة الدوليَّة من مرجعيَّة مُلزِمة إلى شاهد عاجز على جريمة مستمرَّة.
إنَّ استهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في القدس المُحتلَّة يكشف انتقال المشروع الصهيوني من استهداف الإنسان والأرض إلى استهداف الشاهد ذاته؛ فهدم منشآت الوكالة في الشيخ جراح، واقتحام مقارها، وإغلاق مرافقها، لا يُمكِن قراءته كإجراء إداري أو أمني؛ ذلك أنَّ المسألة أعمق من ذلك بكثير. الأونروا تُمثِّل الذاكرة المؤسَّسيَّة لقضيَّة اللاجئين، والاعتراف الدولي المستمر بحقِّ العودة، وكُلُّ مساس بها يعني محاولة منظَّمة لشطبِ هذا الحقِّ من الوعي السياسي العالمي قَبل شطْبِه من الواقع. وحين تُستهدف الوكالة، يُستهدف السِّجل الَّذي يوثِّق التهجير الأوَّل، والشاهد الَّذي يربط ما جرى عام 1948 بما يجري اليوم في القدس والضفَّة المُحتلَّتين. والأخطر أنَّ هذا الاستهداف يتمُّ في وضح النَّهار، وبقرار سياسي تَقُوده قوى اليمين الصهيوني المتطرف، في رسالة واضحة مفادها أن لا حصانة لأيِّ مؤسَّسة دوليَّة تعيق مشروع الحسم، لِتتحولَ الحرب على الأونروا إلى جزء أصيل من معركة فرض السيادة بالقوَّة، وتجفيف أيِّ حضور دولي يُذكِّر بأنَّ القدس مدينة مُحتلَّة، وأنَّ اللاجئين قضيَّة قائمة لا ملفًّا منتهيًا، وسط صمتٍ دولي يراقب تفكيك المرجعيَّات واحدة تلو الأخرى دُونَ تدخُّل فعلي، رغم تواتر القرارات الدوليَّة.
ما يحدُث الآن هو تحوُّل القدس من ساحة صراع مفتوح إلى مختبر لحسمٍ سياسي طويل الأمد، تُدار فيه المعركة بأدوات التخطيط والعمران والاقتصاد، بقدر ما تُدار بالقوَّة العسكريَّة. وما يخطط لمعهد تدريب قلنديا، وما يجري في محيط مطار قلنديا من مشروعات استيطانيَّة ضخمة، يكشف أنَّ الهدف تجاوز تفكيك المؤسَّسات الدوليَّة إلى إعادة تعريف المدينة نفْسها عَبْرَ فرض وقائع جديدة تقصي اللاجئين، وتفرغ المكان من مضمونه السياسي والتاريخي. وعليه، فإنَّ الحديث عن «تطوير المنطقة» و»الإنعاش الاقتصادي» هنا يعمل كغطاء ناعم لمشروع صُلب يسعى إلى تثبيت الضَّم، وتحويل القدس إلى مدينة بلا قضيَّة، وبلا شهود، وبلا ملفات مفتوحة على طاولة المُجتمع الدّولي. أمام هذا المسار، يبدو الصَّمت الدولي شريكًا غير مُعلن في إعادة رسم الخريطة، حيثُ تتحول القرارات الأُمميَّة من أدوات حماية إلى أرشيف إدانة مؤجل، ويُترك الفلسطينيون في مواجهة مشروع حسم يُدار خطوةً خطوة دُونَ كلفة حقيقيَّة. عند هذه النقطة، يصبح السؤال أكبر من القدس وحدها، ويتعلق بمصداقيَّة النظام الدولي نفْسه، وقدرته على حماية ما تبقَّى من معنى للقانون حين يُختبر أمام القوَّة العارية.