السبت 24 يناير 2026 م - 5 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

قصة قصيرة : ضباب

قصة قصيرة : ضباب
الثلاثاء - 20 يناير 2026 02:19 م
10


بين كومة الأوراق الكثيرة وبين الكتب المتناثرة جلس يذاكر، شعر بالسعادة حين ركز على جدول المذاكرة الذي ألصقه في قلب الغرفة، ما زالت الأيام أمامه كثيرة، ويستطيع أن يعيد بعض الدروس الصعبة أكثر من مرة، منذ أن أدى صلاة الفجر ما زال جالسًا في غرفته، الظلام والبرودة التي ترافقت مع أجواء الشتاء، بدأ وهجها يخفت بعد أن تسللت بعض أشعة الشمس من النافذة المقابلة لوجهه.

استرجع في داخل ذاكرته أحلامه الكبيرة، وذكرته دقات قلبه بدعوات والدته الدافئة التي ما زالت تشكل له دافعًا يتزود منه في أيامه ولياليه.

وصلت إلى أنفه رائحة الخبز الذي تخبزه أمه منذ أول خيوط الصباح، وامتزجت تلك الرائحة برائحة البيض العماني الذي تحرص والدته على جلبه من تحت دجاجاتها الكثيرة التي تربيها في الجزء الخلفي من البيت.

أحس بجوع لا سيما حين شم الزعتر الذي اختلط بالحليب وفاح في أرجاء البيت ليعلن عن صباح ممزوج بالنكهات الطيبة والدعوات الصادقة.

فتح الصفحات الأخيرة من الكتاب أخذ يسترجع المعلومات التي حفظها بالأمس عن ظهر قلب، شعر بالراحة حين تذكر معظمها، طاف حلمه أمام عينيه حين أكمل الحفظ، رأى نفسه يسير بخطوات ثابتة في أرجاء المستشفى يعلق بكل فخر بطاقة على صدره تحمل اسمه.

شعر بغبطة لا حد لها تسارعت دقات قلبه وحدق في الورقة التي علقها أمامه والتي كتب عليها بخط واضح الدكتور عبد العزيز.

أخرجه صوت دقات الباب من يم أفكاره التي غرق فيها، طالعه وجه أمه المبتسم، ويديها المغموستين بالطحين والعجين، نظر إلى الصينية التي تحملها، وأبصر كوب الشاي، ورقائق الخبز التي مزجتها مع البيض، كان البخار يحمل الرائحة إلى أنفه قبل أن تصل إلى معدته، ابتسامة أمه ثم دعواتها الطيبة المتكررة تشكل له حصنًا يلوذ به من تعب الأيام التي تقسو عليه وتكبله بالوهن والإرهاق.

حدق في أصابع والدته وهي تغلق الباب، قرر أن يشتري لها خاتمًا من الذهب في أول راتب سيحصل عليه، نظر وهو يشرب الشاي إلى الجدران المتهالكة من حوله، وصبغها الذي بهت في معظم جوانبه، سيتغير كل ذلك عندما سيضع قدمه في أول مرحلة من مراحل حلمه.

انتهى بسرعة من شرب الشاي، أكل الفتات المتبقي من الخبز، حمد ربه في سره، رغم أنه ما زال يشعر بالجوع، نهض نحو الحنفية القديمة فتحها بصعوبة نتيجة الصدأ المحيط بها، انتظر تدفق الماء الذي نزل بشكل متقطع، أخيرًا انتهى من غسل يديه.

عاد للكتب وغاص بين الأوراق والأقلام، الأيام تتابعت بسرعة، والزمن أصبح لديه يمثل لحظات ثمينة يستغلها الاستغلال الأمثل.

في الأيام الأخيرة حذف من قاموس حياته فترات الراحة، طرد التجمع الذي شكله أخيه الصغير مع أطفال الحارة وهم يلعبون الكرة، شعر بأن أي حركة تثير غضبه، وتقطع عليه حبل تفكيره، تعجب من فقدان أعصابه بهذه الطريقة، غير أنه استمر في المذاكرة، لم يعد يهتم بسماع دعوات أمه، يأكل الطعام بسرعة دون أن يدقق في التفاصيل، أصبح يخوض حربًا داخلية لا يعلمها لكنه يشعر بها.

صارت تنتابه مجموعة من الأفكار التي تقطع عليه تركيزه، ورغم أنه يحاربها غير أنها تسيطر عليه كغمامة سوداء حالكة تسد عليه منافذ الحياة والأمل.

فقد الإحساس بالزمن والحياة، أصبحت الكتب والأوراق هي المرتكز الأساسي الذي يسيطر عليه يبدأ يومه بورقة وينتهي بأوراق كثيرة، لم يعد يركز في الجدول المعلق، يشعر بأن يحشو ذهنه بالكثير من المعلومات وبعد ساعة يشعر بخواء كبير وبأن جميع تلك المعلومات قد تبخرت بلا عودة.

الأفكار التي تسيطر عليه أصبحت كبيرة فضفاضة تشعره بالضيق والوهن، تجعله يعيد قراءة الورقة الواحدة عدة مرات دون فائدة.

ضباب كثيف أصبح يغلف حياته، بشعره بالخواء التام ويشل عقله عن التفكير، يحيا دون أن يشعر بأنه يعيش، الأيام تمر والضباب يزداد كثافة يومًا بعد يوم.

أصبح يبكي وهو يخوض تلك الحرب التي استعرت فجأة في داخله وانتشر لهبها ليحوله إلى إنسان متهالك يبحث عن ذاته التي غابت في معترك الكتب والأوراق، لم يركز في دموع أمه التي تدفقت وهي تضع يدها على رأسه وتقرأ السور القصيرة التي حفظتها بصوت متهدج.

تعجب حين أطل وجه أخيه الصغير من خلف الباب وهو ينطق بكلمة واحدة: مطر!

ازداد تعجبه لأنه لم يسمع صوت المطر، ولم يدعُ لنفسه تحت زخاته، وهو الذي يترك كل شيء حين يهطل المطر، نظر إلى يديه الواهنتين، ولمس شعره الذي لم يحلقه منذ فترة طويلة، حدق في أكوام الكتب من حوله، سيطر عليه خوف كبير حين أحس بأنه لا يتذكر معظم ما جاء فيها. ترنح في وقفته بكى دون صوت، صداع كبير نخر جمجمته كمسمار انغرس فيها بقوة دون أي مقدمات، سقطت من أمامه صورة حلمه وانغرست شظاياها في كامل جسمه، أصبح كورقة خفيفة ذابلة تسير بلا هدى في وجه عاصفة عاتية.

التعب نخر عميقًا في داخله، تكور على نفسه، برد دخل إلى مساماته جعل جسمه يرتجف بشكل متواصل، لم يشعر بأيدي إخوانه وهي تسنده ولا بصراخ أمه الذي ملأ أرجاء الغرفة. ولم يسمع صوت المطر الذي كان ينسكب بغزارة ويفيض على الأرض.

د. أمل المغيزوية

كاتبة عمانية