تُعَدُّ سلطنة عُمان نموذجًا فريدًا في محيطها الإقليمي والدولي في تَبنِّي سياسة خارجيَّة متزنة تقوم على الحكمة والحياد الإيجابي، وبناء جسور الثقة بَيْنَ مختلف الأطراف.. وقد أسهم هذا النهج بشكلٍ واضح في تعزيز الاستقرار الإقليمي، ودعم جهود السلام في المنطقة الَّتي تعاني من أزمات سياسيَّة وأمنيَّة متشابكة.
ومنذ بواكير النهضة الحديثة أرست سلطنة عُمان مبادئ ثابتة في سياستها الخارجيَّة تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخليَّة، وحلّ النزاعات عَبْرَ الحوار والوسائل السلميَّة.. وقد مكَّنها هذا النهج من الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الإقليميَّة والدوليَّة حتَّى في أوقات التوتُّر والخلاف.
وقد برز الدَّوْر العُماني بشكلٍ خاص في جهود الوساطة الإقليميَّة، حيثُ اضطلعت السلطنة بأدوار هادئة ولكن مؤثِّرة في تقريب وجهات النظر بَيْنَ أطراف متنازعة عدَّة، والتاريخ خير شاهد على ذلك.. فقد تميَّزت هذه الوساطات بالمصداقيَّة والسريَّة بعيدًا عن الضجيج و(الشو) الإعلامي ما أكسب عُمان ثقة الأطراف المختلفة وجعلها وسيطًا إيجابيًّا في العديد من الملفات الساخنة.. ناهيك عن دَوْرها البارز في دعم أمن الملاحة البحريَّة واستقرار الممرَّات الاستراتيجيَّة انطلاقًا من موقعها الجغرافي الحيوي المطل على بحر العرب ومضيق هرمز.. حيثُ تبنَّت سلطنة عُمان نهج التعاون الإقليمي والدولي لضمان حُريَّة الملاحة وأمن الطاقة بعيدًا عن سياسات التصعيد أو الاستقطاب.
وفي ظلِّ التحدِّيات الإقليميَّة المتزايدة، تواصل عُمان التمسُّك بِدَوْرها كصوت للعقل والحكمة، مستندةً إلى إرث دبلوماسي عريق ورؤية مستقبليَّة تؤمن بأنَّ الأمن الإقليمي لا يتحقق إلَّا بالتفاهم والتعاون المشترك لِتظلَّ السلطنة ركيزةً أساسيَّة في دعم الاستقرار الإقليمي، ونموذجًا يُحتذى به في الدبلوماسيَّة المسؤولة.. من هنا نترجم الاتصالات الهاتفيَّة الَّتي أجراها معالي السَّيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجيَّة في هذا الوقت الحرج «مع نظرائه في كُلٍّ من روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا مؤخرًا لتعزيز الجهود المشتركة الرامية لاحتواء التصعيد ودعم مسارات التهدئة والتأكيد على أولويَّة الحوار والدبلوماسيَّة في معالجة القضايا العالقة، لا سِيَّما في ظلِّ التطورات المرتبطة بالملف النووي الإيراني.. ولا ننسى البيان العُماني الإيطالي المشترك الَّذي صدر عن رئيسة الوزراء الإيطاليَّة أثناء زيارتها للسلطنة والَّتي أشادت فيه بالدَّوْر المحوري الَّذي تضطلع به السلطنة في دعم الحوار وتعزيز السلام الإقليمي.. وقَبل ذلك الكثير من الجهود الدبلوماسيَّة الملموسة من قِبل السلطنة من أجْل إقرار السلام.
لا شكَّ أنَّ الدَّوْر المتَّزن العاقل الَّذي تؤديه سلطنة عُمان ينسجم بشكلٍ وثيق مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040» الَّتي تؤكِّد على تعزيز مكانة السلطنة كشريك فاعل في تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.. لأنَّ مبادئها الثابتة وتغليب لُغة الحوار والتفاهم على الصراع تنسجم مع محور «الحوكمة والأداء المؤسَّسي» في الرؤية المستقبليَّة الطموحة والَّذي يدعو إلى دبلوماسيَّة فاعلة مسؤولة وقادرة على إدارة العلاقات الدوليَّة بما يخدم المصالح الوطنيَّة ويعزز الأمن الإقليمي.. لذلك برز الدَّوْر العُماني النشط في مجال الوساطة وحلّ النزاعات كأحد أهم إسهامات السلطنة في دعم الاستقرار الإقليمي.. واستطاعت أن تكُونَ جسرًا للحوار بَيْنَ أطراف إقليميَّة ودوليَّة مختلفة، وهو ما يعكس توجُّه الرؤية نَحْوَ بناء علاقات دوليَّة قائمة على الثقة المتبادلة والشَّراكات المستدامة.
ولعلَّ ما يدلُّ على أنَّ السلطنة بالفعل هي صوت العقل ما جاء في المقال الَّذي نشره الكاتب الصحفي تيم قسطنطين في جريدة «واشنطن تايمز» بعنوان «بَيْنَما تغلي أميركا وإيران، عُمان هي صوت العقل» والَّذي تناول فيه حديثه مع معالي السَّيد بدر البوسعيدي في مسقط بعد عودته من طهران حَوْلَ شكل الحياة في إيران فأجاب معاليه «لم أرَ أو أشعر بأنَّ البلاد تعيش أيَّ نوع من الاضطراب على الإطلاق، الحياة تسير بشكلٍ طبيعي، المتاجر مفتوحة، المطاعم مفتوحة، المدينة تعجُّ بالحركة والضجيج والسيَّارات وحركة المرور».. وهو ما يتنافى مع التقارير الإخباريَّة الَّتي يبثُّها الرئيس الأميركي ترامب بأنَّ الحياة في إيران على وشك الانهيار والَّذي يتخذها ذريعة من أجْل توجيه ضربة عسكريَّة لطهران.. ثم تساءل هل يُمكِننا الوثوق بعُمان؟ وكانت إجابته بكلمة واحدة: نعم.. إلى آخر المقال الَّذي يتواءم مع السياسة العُمانيَّة، ويعكس مدى الثقة الَّتي تحظى بها السلطنة على الصعيد الدولي، ويُشكِّل رسالة لترامب كَيْ يُعِيدَ النظر فيما يريد أن يفعلَ تجاه إيران.
وفي ظلِّ ما تشهده المنطقة من تحدِّيات متسارعة تواصل سلطنة عُمان أداء دَوْرها كصوت للحكمة والاتزان، مستندةً إلى إرث دبلوماسي راسخ ورؤية مستقبليَّة طموحة.. وهكذا، فإنَّ الدَّوْر العُماني في دعم الاستقرار الإقليمي لا يُعَدُّ مجرَّد خيار سياسي، بل هو مسار استراتيجي متكامل يتوافق مع رؤية «عُمان 2040» ويعكس التزام السلطنة بالمساهمة الإيجابيَّة في بناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا للمنطقة والعالم.
ناصر بن سالم اليحمدي
كاتب عماني