الثلاثاء 20 يناير 2026 م - 1 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : صناعة الموقع فـي اقتصاد يتغير

الثلاثاء - 20 يناير 2026 04:02 م

رأي الوطن

160


يُمثِّل توطين صناعات الطاقة المُتجدِّدة اليوم معيارًا حاسمًا لجديَّة الدول في بناء موقعها داخل الاقتصاد العالمي الجديد. فالمسألة تخطَّت الارتباط بخطط بيئيَّة أو تعهُّدات مناخيَّة، وأضحت ترتبط بالقدرة على امتلاك أدوات الإنتاج والتحكم في حلقات التصنيع الأساسيَّة. وغدَا العالم اليوم يشهد انتقالًا واضحًا من مرحلة تبادل التكنولوجيا إلى مرحلة التنافس على سلاسل القِيمة، حيثُ تصبح المادَّة الخام والمعرفة الصناعيَّة ومواقع الإنتاج عناصر قوَّة تُعادل في تأثيرها الموارد التقليديَّة. ومن هذا المنطلَق يتحول الاستثمار في التصنيع المرتبط بالطاقة النظيفة إلى قرار طويل الأمد يُحدِّد هامش الحركة الاقتصاديَّة والسياسيَّة للدَّولة، ويعني امتلاك المصنع امتلاكًا للقرار، وامتلاك القدرة على الإنتاج تعني القدرة على التفاوض، وتوطين الصناعة يخلق شبكة مصالح داخليَّة تمتدُّ من رأس المال إلى التشغيل، ومن البحث إلى التصدير، هكذا تتشكل السيادة الاقتصاديَّة الحديثة، الَّتي تتخطى الاستهلاك الذَّكي، وتتحوَّل نَحْوَ الإنتاج الواعي، في عالم يُعاد تشكيله على أساس مَن يمتلك الصناعة ومَن يكتفي بطلبها.

ويأتي مشروع البولي سيليكون في المنطقة الحُرَّة بصحار كتجسيد عملي لهذا الفَهْمِ، حيثُ تنتقل الفكرة من إطارها النظري إلى بنية إنتاج ملموسة تضع سلطنة عُمان داخل الشّق الأعلى من صناعة الطاقة الشمسيَّة عالميًّا؛ فاختيار البولي سيليكون تحديدًا يعكس إدراكًا لطبيعة القِيمة الحقيقيَّة في هذه الصناعة، كما أنَّ المادَّة الأساسيَّة تُمثِّل نقطة السَّيطرة على السلسلة بأكملها من الخلايا إلى الألواح إلى الأسواق النهائيَّة.. والطاقة الإنتاجيَّة المخطَّط لها، الَّتي تصل إلى مئة ألف طن سنويًّا وتدعم إنتاج عشرات الجيجاواطات من الألواح الشمسيَّة، تنقل المشروع من نطاق تلبية الطلب إلى نطاق التأثير في السوق، وفي هذا المستوى تتحول الصناعة إلى أداة تموضع اقتصادي، ويتحول الموقع الجغرافي إلى عنصر قوَّة، خصوصًا مع ارتباط المشروع بسلاسل توريد قابلة للتتبع ومعايير بيئيَّة وإنتاجيَّة عالميَّة.. وهنا تتقدم صحار من كونها منطقة صناعيَّة إلى عقدة إنتاج وتصدير، ويصبح المصنع علامة على انتقال عُمان من المشاركة في سوق الطاقة المُتجدِّدة إلى المساهمة في تشكيله عَبْرَ امتلاك الحلقة الَّتي تبدأ منها القِيمة وتنتهي عندها القدرة على التأثير.

إنَّ إغلاق هيكل التمويل بهذا الحجم يعكس نضج التجربة العُمانيَّة في إدارة المشروعات الصناعيَّة الكبرى، حيثُ يتحول التمويل من أداة تمكين مرحلي إلى عنصر تأسيسي في بناء الثقة طويلة الأمد.. ومشاركة جهاز الاستثمار العُماني عَبْرَ صندوق عُمان المستقبل ـ بوصفه أحد أكبر المساهمين ـ تمنح المشروع بُعدًا سياديًّا واضحًا، وتؤكِّد أنَّ الدَّولة اختارت الدخول في قلب الصناعة لا الوقوف على هامشها. كما يُقدِّم هيكل التمويل، الَّذي جمع بَيْنَ مؤسَّسات التمويل الدوليَّة والبنوك المحليَّة والإقليميَّة، شهادةً واقعيَّة على جاذبيَّة البيئة الاستثماريَّة العُمانيَّة وقدرتها على استيعاب مشروعات صناعيَّة معقَّدة وطويلة الأجل، وهو نموذج يعكس انتقالًا واعيًا من منطق التمويل قصير النفَس إلى منطق الشَّراكات المستقرَّة، حيثُ تتقاطع المصالح الماليَّة مع الأهداف التنمويَّة، ويتحول رأس المال من باحث عن عائد سريع إلى شريك في بناء قاعدة إنتاج، لِيصبحَ التمويل نفْسه جزءًا من القِيمة المضافة للمشروع، وعنصرًا داعمًا لسمعة سلطنة عُمان كوجهة موثوقة للاستثمار الصناعي النوعي، لا كمساحة تجريب أو مخاطرة.

إنَّ الأهميَّة الحقيقيَّة لمشروع البولي سيليكون تتجلَّى في أثَره المُركَّب على بنية الاقتصاد، حيثُ يتجاوز حدود المصنع إلى بناء منظومة صناعيَّة متكاملة تمتدُّ عَبْرَ الشق العلوي والشق السفلي لسلسلة القِيمة. فالمشروع يفتح مساحات واسعة أمام توطين وظائف نوعيَّة مرتبطة بالصناعة المتقدمة، ويمنح المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة فرصةً فعليَّة للاندماج في منظومة إنتاج وتوريد ذات معايير عالميَّة، كما أنَّ اختيار المنطقة الحُرَّة بصحار يُعزِّز هذا الأثَر عَبْرَ ربط التصنيع بالبنية اللوجستيَّة والتصديريَّة، بما يحوِّل الجغرافيا إلى عنصر إنتاج لا مجرَّد موقع. وفي هذا المسار يتحول المصنع إلى منصَّة لانطلاق صناعات لاحقة في مجالات الخلايا والوحدات الشمسيَّة والتكامل مع مشروعات الطاقة المُتجدِّدة، بما يضاعف العائد الاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل.. هكذا يتشكل نموذج تنموي يقوم على تراكم القِيمة داخل الاقتصاد الوطني، ويؤسِّس لحضور وطني مستدام في سوق عالمي يتَّسع لِمَن يمتلك القدرة على الإنتاج والالتزام، ويضيق على مَن يكتفي بِدَوْر المستهلك أو المتلقي.