في الوقت الَّذي ينشغل فيه العالم بالتحليل السياسي والتوقُّع لِمَا ستؤول إليه السياسة الأميركيَّة تجاه الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة، يبرز عامل أكثر ثباتًا وعُمقًا في فَهْم السلوك الإيراني؛ فبعيدًا عن الأيديولوجيا والتصريحات السياسيَّة المتغيِّرة، تفرض الخريطة الإيرانيَّة الجغرافيَّة موقفها المُهمَّ في الوضع الإيراني الحالي، وتُفسر الكثير من المواقف السياسيَّة الإيرانيَّة.
الناظر للوضع الجغرافي الإيراني بدءًا من سلاسل زاجروس غربًا، والبرز شمالًا، والامتدادات الجبليَّة شرقًا حتَّى أفغانستان وباكستان، يجد أنَّها تُشكِّل طوقًا طبيعيًّا جعل منها عَبْرَ تاريخها دَولة عصيَّة على الغزو البَرِّي والاحتلال الطويل، وهذه الحقيقة الجغرافيَّة تُفسِّر تردُّد القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المُتَّحدة، في خيار الحرب المباشرة، مقابل اللُّجوء إلى العقوبات والضغط غير المباشر.
من هنا نشأت العقليَّة الاستراتيجيَّة الإيرانيَّة الَّتي تجمع بَيْنَ الدِّفاع في الداخل والاستباق في الخارج. فمن الخطأ القول إنَّ السَّعي الإيراني إلى بناء عُمق استراتيجي خارج الحدود، سواء عَبْرَ العراق أو سوريا أو لبنان، يُفهم فقط بوصفه مشروع نفوذ أيديولوجي، بل هو يأتي في إطار استجابة جغرافيَّة لدَولة تسعى إلى نقل خطوط التهديد بعيدًا عن مركزها.
لكنَّ الجغرافيا الَّتي تحمي إيران من الخارج تُقيِّدها في الداخل؛ فالمساحات الصحراويَّة الشاسعة، وصعوبة الربط بَيْنَ الأطراف، وتشتُّت المراكز السكانيَّة، جعلت من إدارة الدَّولة تحدِّيًا دائمًا، وما يضاعف هذا التحدِّي هو التنوع الإثني الواسع، حيثُ يتعايش داخل هذه الحدود الفرس إلى جانب الأذريين والأكراد والعرب والبلوش وغيرهم. هذا التعدُّد، عندما يُربط بتضاريس قاسية، يُفسِّر الميل التاريخي إلى المركزيَّة الصَّارمة والقبضة الأمنيَّة بوصفهما أدوات للحفاظ على التماسُك الوطني في مُجتمع يصعب ضبطه بوسائل ليِّنة فقط.
ويتعقَّد المشهد أكثر مع إدخال العامل الديموغرافي في التحليل، فإيران تمرُّ بتحوُّل ديموغرافي سريع نَحْوَ الشيخوخة. ففي الوقت الَّذي لم ينجح فيه الاقتصاد في تحقيق نُموٍّ مستدام قادر على استيعاب الطاقات الحاليَّة، يتحول هذا السلوك إلى تبعات اقتصاديَّة واجتماعيَّة، كما أنَّه ينعكس أيضًا على السلوك الجيوسياسي؛ إذ تُصبح الدَّولة أكثر حساسيَّة تجاه الاستقرار الداخلي، وأقلَّ استعدادًا لمغامرات عسكريَّة تقليديَّة واسعة، وأكثر اعتمادًا على أدوات منخفضة الكلفة البشريَّة.
هنا يلتقي العامل الديموغرافي مع القيود الجغرافيَّة ليُفسِّرَ اعتماد إيران المتزايد على التقنيَّة العسكريَّة بوصفها بديلًا عن القوَّة التقليديَّة. الطائرات المسيَّرة، والصواريخ بعيدة المدى، ومنظومات الإطلاق هي وسائل عمليَّة تمنح إيران القدرة على تجاوز قيود المكان ونقل المواجهة إلى عُمق الخصم. وقد برز ذلك بوضوح في صمود إيران بعد الضربة «الإسرائيليَّة» الأخيرة، حين اختارت الردَّ عَبْرَ استهداف الداخل «الإسرائيلي» بصواريخ إيرانيَّة الصنع، وهي في الواقع رسالة استراتيجيَّة مفادها أنَّ محدوديَّة المنافذ البحريَّة أو الجغرافيا البَرِّيَّة القاسية لا تعني العجز عن التأثير المباشر. في هذا النموذج، تتحول التقنيَّة إلى بديل جغرافي كامل، يسمح لدولة محكومة بالجبال والاختناق البحري بأن تفرضَ معادلة ردع عابرة للمسافات، من دُونِ الانخراط في حرب تقليديَّة شاملة.
وفي الداخل، تتقاطع هذه العوامل مع أزمة أخرى لا تقلُّ خطورة، هي أزمة المياه، فالجفاف المتزايد ونضوب طبقات المياه الجوفيَّة يدفعان نَحْوَ هجرات داخليَّة من الأرياف إلى المُدن، ويضاعفان الضغوط الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة. هذا الواقع يُفسِّر الحساسيَّة الإيرانيَّة تجاه محيطها المائي، سواء في الشرق مع أفغانستان حَوْلَ نهر هيرمند، أو في الغرب حيثُ يرتبط العراق بمنابع دجلة والفرات.
اقتصاديَّا، تتجلَّى المفارقة ذاتها. فاعتماد إيران الكبير على ميناء بندر عباس بوصفه شريانها البحري الأساسي يمنحه أهميَّة استراتيجيَّة قصوى، لكنَّه في الوقت ذاته يحوِّله إلى نقطة اختناق يُمكِن استهدافها. وفي المقابل، منحتها حدودها البَرِّيَّة الطويلة مع العراق وتركيا وباكستان هامش حركة خفَّف من وطأة العقوبات عَبْرَ التهريب والتجارة غير الرسميَّة، ما جعل العزل الاقتصادي الكامل أمرًا صعب التحقيق، وإن لم يُلغِ كلفته. وحين ضاق الأُفق الغربي، اتَّجهت إيران شرقًا، حيثُ تُفهم العلاقة مع الصين؛ بوصفها استجابة جغرافيَّة ـ اقتصاديَّة لدولة تقع على مفترق طُرق آسيا وتبحث عن بدائل للنظام الغربي.
خلاصة القول: إنَّ هذه العوامل منحت صانع القرار الإيراني هامشًا للمناورة عَبْرَ إدارة الموارد، واحتواء التوتُّرات الداخليَّة، وتخفيف الاستنزاف الإقليمي، وتحويل الجغرافيا من عبء إلى فرصة، فإيران ليست فقط دولة ذات خِطاب سياسي صدامي أو مشروع نووي مثير للجدل، هي تتصرّف وفْقَ منطق جغرافي وديموغرافي صارم، تفرضه الجبال والمياه والممرَّات والبشر والزمن. ومن دُونِ إدراك هذا التداخل العميق بَيْنَ الأرض والإنسان والسُّلطة، ستظلُّ التحليلات السياسيَّة تَدُور حَوْلَ الأسئلة الخطأ، بَيْنَما يكمن مفتاح الفَهْمِ الحقيقي في الحقيقة الجغرافيَّة الَّتي يُمكِن اعتبارها العلاقة الصَّامتة الَّتي تحكم إيران منذ قرون.
المنتصر بن زهران الرقيشي
كاتب عماني ـ الاتصالات الدولية والعلوم السياســـــية
مدرب متعاون في تنمية مهارات المدربين (TOT)
@mumtaserzr