الثلاثاء 20 يناير 2026 م - 1 شعبان 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : الفحص قبل الزواج.. وعي جمعي يحمي الأسرة ويحفظ الحقوق الزوجية

في العمق : الفحص قبل الزواج.. وعي جمعي يحمي الأسرة ويحفظ الحقوق الزوجية
الاثنين - 19 يناير 2026 07:44 ص

د.رجب بن علي العويسي

10


تُمثِّل الأمراض الوراثيَّة اليوم أحد أخطر المهدِّدات الصحيَّة الَّتي تواجه الأُسرة في سلطنة عُمان؛ لِمَا لها من تأثير مباشر في البناء الأُسري وتمكين الأُسرة من أداء دَوْرها الطبيعي في بناء مُجتمع المواطنة.

وانطلاقًا من التوجيهات السامية في تمكين الأُسرة، وأولويَّات رؤية «عُمان 2040» الَّتي تُشكِّل الأُسرة فيها معادلة القوَّة في بناء «مُجتمع إنسانه مبدع، معتز بهُوِيَّته، مبتكر ومنافس عالميًّا، ينعم بحياة كريمة ورفاه مستدام»؛ فإنَّ تكامل مسار البناء الأُسري وقوَّته وكفاءته وتوازنه وإنسانيَّته سينعكس على مجريات الحياة اليوميَّة بكُلِّ تفاصيلها، لمُجتمع منتج ينبض بالحياة، ويعيش السَّعادة، وينتصر للقِيَم والأخلاق، ويؤمن بالمشتركات ويحترم الخصوصيَّات.

ولذلك أدرك المشرِّع العُماني هذه القِيمة الحضاريَّة والدِّينيَّة والإنسانيَّة والوطنيَّة والتنمويَّة للأُسرة، ووضعها في أولويَّة الاهتمام، وعمل على صونها وحمايتها والمحافظة على تكوينها في إطار من الشرع والقِيَم والأخلاق، وتوفير الحماية اللازمة لها. واستشعارًا لِمَا تؤدِّيه الأمراض الوراثيَّة من مخاطر تضع الأُسرة في أوضاع صعبة، تعاني فيها تراكمات من الأمراض والمراجعات الطبيَّة في المستشفيات، الأمر الَّذي يُشكِّل إرهاقًا نفسيًّا وفكريًّا وماليًّا وماديًّا وصحيًّا للأُسرة، وينعكس سلبًا على دَوْرها تجاه بقيَّة الأبناء، أو على حضورها في الواقع الاجتماعي والعائلي والأُسري.

وبالتَّالي فإنَّ اجتثاث منغِّصات الاستقرار الأُسري الَّتي باتتْ تنخر في حياة الأُسرة كجراثيم خطرة، ومن بَيْنِها الأمراض الوراثيَّة الَّتي تُشكِّل تهديدًا مباشرًا للمُكوِّن الأُسري، يؤكد أهميَّة وجود إطار وطني لحماية الأُسرة، والوقوف على واقعها، وتحدِّياتها ومنغِّصاتها والتزاماتها وأولويَّاتها، ومستوى التناغم بَيْنَ أفرادها، وأسباب التباعد، وحالات التنمُّر الَّتي تعيشها بعض الأُسر، والظواهر النفسيَّة والاجتماعيَّة والأخلاقيَّة والفكريَّة، والَّتي قد تكُونُ الأمراض الوراثيَّة أحد مسبِّباتها ومعطياتها.

وتُشير الإحصائيَّات إلى أنَّ الأمراض الوراثيَّة تُشكِّل نسبة كبيرة من المُشْكلات الصحيَّة بَيْنَ السكَّان، خصوصًا لدى الأطفال بسبب انتشار زواج الأقارب. إذ تُشير إلى أنَّ نِسَب المساهمة التقريبيَّة لأنواع الأمراض الوراثيَّة في سلطنة عُمان تبدأ بالأمراض الاستقلابيَّة الَّتي تُشكِّل أعلى نسبة، بنَحْوِ (51%) من إجمالي الحالات المسجَّلة، تليها الاختلالات الكروموسوميَّة بنسبة تقارب (28.4%)، ثم أمراض الدم الوراثيَّة مثل فقر الدم المنجلي والثلاسيميا، الَّتي تُمثِّل نَحْوَ (10%) من إجمالي الأنواع، إلَّا أنَّ تأثيرها الصحِّي والاجتماعي كبير جدًّا بسبب انتشارها الواسع. كما توجد أكثر من (300) نوع مختلف من الأمراض الوراثيَّة المسجَّلة في سلطنة عُمان، تشمل أمراضًا نادرة ومتعدِّدة الأجهزة. وتُشير الإحصاءات كذلك إلى أنَّ هذه الأمراض تُسهم بنسبة كبيرة من وفيات الرضَّع والأطفال بسبب التشوُّهات الخَلقيَّة والمضاعفات الجينيَّة. ويُقدَّر معدَّل الإصابة بالأمراض أو التشوُّهات الخَلقيَّة لدى الأطفال بَيْنَ (5%) و(5.9%)، وهو أعلى من المعدَّل العالمي البالغ (4.4%.).

وفي تقرير نشرته وزارة الصحَّة على موقعها حَوْلَ أمراض الدم الوراثيَّة، جاء: أنَّ العديد من الدراسات تُشير إلى انتشار هذه الأمراض، وهي مجموعة من الأمراض الَّتي تنتقل عن طريق الأبويْنِ إلى الأبناء نتيجة خلل في تركيب مُكوِّنات كريات الدم الحمراء، فتنتج كريات غير قادرة على أداء وظائفها الطبيعيَّة، وتظهر الأعراض المرضيَّة على المُصابين. ومن أهم أنواعها: الثلاسيميا، والأنيميا المنجليَّة، ونقص الخميرة، وهي الأكثر انتشارًا في سلطنة عُمان. وتُعَدُّ هذه الأمراض مُشْكلة صحيَّة واجتماعيَّة تثقل كاهل الأُسر والقِطاع الصحِّي، ويُعَدُّ زواج الأقارب من أبرز أسباب انتشارها، حيثُ تُشير البيانات إلى أنَّ (60%) من العُمانيين يحملون جينات أمراض الدم الوراثيَّة، وأنَّ (56%) من الزيجات تكُونُ بَيْنَ الأقارب، مع قلَّة الوعي المُجتمعي بهذه الأمراض.

وعليه، يأتي المرسوم السُّلطاني رقم (111/2025) بشأن تنظيم الفحص الطبِّي قَبل الزواج تأكيدًا لهذا المسار، وتعزيزًا لهذا التوجُّه، وإيمانًا بأنَّ الكيان الأُسري لم يَعُدْ يتحمَّل مزيدًا من التراكمات. ولذلك كان من الضروري إيقاف هذا العبث بصحَّة الإنسان، والاستفادة من الفرص الَّتي أتاحتها الدَّولة في مجال الرعاية الصحيَّة والصحَّة الإنجابيَّة للأُم، بما يَضْمن المحافظة على الكيان الأُسري. فجاءت مواد المرسوم بصيغة الوجوب والإلزام لكُلِّ عُماني يرغب في الزواج، ولو كان الطرف الآخر غير عُماني، قَبل إبرام عقد الزواج، سواء تمَّ داخل السَّلطنة أو خارجها، مع إلزام عاقدي الزواج بعدم إبرام العقد إلَّا بعد تقديم الشهادة المنصوص عليها في المادَّة الثالثة من المرسوم، والَّتي تصدرها المؤسَّسة الصحيَّة للطرفين وفْقَ الضوابط والإجراءات الَّتي يصدر بها قرار من وزير الصحَّة.

كما نصَّ المرسوم على عقوبات بحقِّ مَن يخالف أحكامه، بالسجن مدَّة لا تقلُّ عن عشرة أيَّام ولا تزيد على ستة أشْهُر، وبغرامة لا تقلُّ عن مائة ريال عُماني ولا تزيد على ألف ريال عُماني، أو بإحدى هاتين العقوبتين. وفي إلزاميَّة الفحص قبل الزواج مساحة أمان للأُسرة والأبناء والراغبين في الزواج، تأكيدًا للاستقرار الأُسري، وحرصًا على رفع مستوى الأمان النفسي والفكري والصحِّي للأُسرة، لمواصلة دَوْرها في مَسيرة البناء والتنمية.

إنَّ أهميَّة الفحص قبل الزواج لم تَعُد اليوم ترفًا فكريًّا أو خيارًا مزاجيًّا أو سلوكًا وقتيًّا، بل أصبحت استحقاقًا أُسريًّا وحالة وجوبيَّة لا مجال للتهرُّب منه أو تجاهله أو تجاوزه، ولا إمكانيَّة للتنازل عنه أو استثنائه. فالمشرِّع العُماني كان واضحًا في مقاصده وأهدافه، وعلى المواطن الالتزام بها؛ لِمَا تحمله من قِيمة مضافة في حياته؛ لكون هذا الالتزام يُحقق الأمان والاستقرار، ويُعزِّز الشعور بالرضا والطمأنينة، ويُبعد النفْس عن القلق والاضطرابات النفسيَّة والصحيَّة الَّتي قد تنشأ في ظل وجود طفل يعاني من أمراض وراثيَّة، غير قادر على ممارسة حياته الطبيعيَّة، أو يضع الأُسرة ومستقبلها في وضع مؤسف. ونشهد في واقعنا الحياتي حالات لأزواج في ريعان شبابهم عانوا من فقدان الاستقرار منذ ولادة الطفل الأول بسبب هذا الخلل الناتج عن تأثر المولود بالجينات الأُسريَّة.

وعليه، يُعَدُّ الفحص الطبِّي قبل الزواج إحدى الركائز الأساسيَّة لبناء أُسرة مستقرَّة نفسيًّا واجتماعيًّا، وضمان مستقبل صحِّي للأبناء. فإنَّ رفع سقف الوعي الجمعي وتعزيز القناعة المُجتمعيَّة بأهميَّة هذا الفحص يُمثِّل ضرورة وطنيَّة تتطلب جهدًا تكامليًّا بَيْنَ المؤسَّسات الرسميَّة والمُجتمع الأهلي، وبذل مزيدٍ من الجهد المشترك بَيْنَ وزارة الصحَّة والجهات المختصَّة، من خلال تأكيد ما أطَّره المشرع في المرسوم السُّلطاني من حيثُ تنظيم إجراءات الزواج بحيثُ لا يُصدر عقد الزواج إلَّا بعد تقديم شهادة طبيَّة معتمدة تثبت خضوع الطرفين للفحص الطبِّي المنصوص عليه في المرسوم، وفْقَ الضوابط والإجراءات المعتمدة.

كما أنَّ تعزيز الثقافة المُجتمعيَّة وفتح حوار تفاعلي مع الأُسر يُسهم في ترسيخ قناعة الوالدين والأبناء والأُمَّهات وكبار السِّن وغيرهم من فئات المُجتمع، بأنَّ الالتزام بإجراء الفحص الطبِّي قبل الزواج ينعكس إيجابًا على استقرار الأُسرة، ويحدُّ من المُشْكلات الزوجيَّة، وحالات الطلاق، والإهمال الأُسري، وجفاف العلاقات العاطفيَّة بَيْنَ الأزواج، إذ إنَّ كثيرًا من هذه الإشكاليات يُمكِن إرجاعها إلى وجود حالات مرضيَّة غير مكتشفة قبل الزواج.

ومع وضوح مسار الفحص قبل الزواج، وحوكمته، وتحديد عمليَّاته وأدواته، وأدوار الفرد والمؤسَّسة والمُجتمع فيه، فإنَّ الحراك القادم سيتَّجه نَحْوَ تعزيز الوعي الجمعي وترسيخ الثقافة المُجتمعيَّة الداعمة لسلاسة التطبيق، وخلْق قناعة داخليَّة لدى المواطن بأهميَّة هذا الإجراء، من خلال: تكثيف الحملات الإعلاميَّة الموجَّهة، وتفعيل دَوْر مؤسَّسات المُجتمع الأهلي، ودمج المفهوم إعادة تدريسه في المناهج التعليميَّة، والشفافيَّة مع المُجتمع واطلاعه الفوري على المستجدَّات والنتائج والمؤشِّرات، والرصد الإحصائي والتقييم المستمر، وتعظيم القِيَم الدِّينيَّة والضبطيَّة القِيَميَّة في حماية الأُسرة والوقاية الصحيَّة.

أخيرًا، يبقى وجود حوار تشاركي وتكاملي بَيْنَ الجهات المعنيَّة والمواطنين في تنفيذ إجراءات هذا الفحص كاملة، وترقية وعي الوالدين والأبناء والأُمَّهات وكبار السِّن وغيرهم، من شأنه أن يصنع لأبناء المُجتمع والمقبلين على الزواج لبناء حياة سعيدة، مزيدًا من الاستقرار النفْسي والالتزام المُجتمعي والاستقرار الأُسري. فالكثير من المُشْكلات الأُسريَّة، وحالات الطلاق، والإهمال، وجفاف العلاقات العاطفيَّة بَيْنَ الأزواج، يُمكِن عزوها إلى وجود حالات مرضيَّة داخل الأُسرة. ومن هنا، فإنَّ المرحلة المقبلة تستدعي مزيدًا من الجهد المشترك والعمل المبتكر للحفاظ على استدامة الأثر، ورفع مستوى الثقة والقناعة بأنَّ الفحص الطبِّي قبل الزواج ليس مجرَّد إجراء وقائي، بل هو حياة متجدِّدة تحافظ على كفاءة الأُسرة وقدرتها على التكيُّف مع الواقع، وترسم ملامح مضيئة بَيْنَ مُكوِّناتها تُعزِّز مساحات الثقة والأمان النفْسي.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]