في كُلِّ عام يمرُّ علينا تاريخ يوم الطفل الخليجي والَّذي حدِّد بتاريخ الخامس عشر من شهر يناير وكأنَّه مجرَّد مناسبة رمزيَّة في تقويم نشاهده! والحقيقة ونحن في أيَّامنا هذه نحتاج إلى وقفة هادئة تدعونا إلى النظر إلى الأطفال ليس فقط كبالغين في المستقبل، بل كبَشَر كاملين يعيشون حياة مهمَّة الآن. ولعلِّي أريد القول وبشكلٍ أعمق: إنَّه هكذا يوم في صحَّة أطفالنا لا يقاس فقط بالوزن أو حالة التطعيم، بل هو توازن بَيْنَ الصحَّة البدنيَّة، والأمان العاطفي، واستقرار الأُسرة، وبلا شك الانتماء الاجتماعي!
وهكذا منذ نعومة أظفارهم، نهتمُّ بصحَّتهم ونتابع تغذيتهم ونومهم، بل ونموّهم الدماغي والعقلي، خصوصًا وكما أكَّدتْ عدَّة دراسات أنَّ السنوات الأولى من العمر مهمَّة للتطور المعرفي والعاطفي والاجتماعي. فالطفل الَّذي ينشأ في بيئة مستقرة يكتسب قدرة أكبر على تنظيم التوتر، وقدرة أفضل على التعلم. بَيْنَما قد يخلِّف الإهمال أو انعدام الأمن العاطفي آثارًا نفسيَّة دائمة.
ولعلَّه في الممارسة العمليَّة، سنرى كيف تتجلى هذه الحقيقة يوميًّا. فالطفل الَّذي يعاني من آلام متكررة في البطن قد لا يكُونُ مُصابًا بمَرض في الجهاز الهضمي، بل هذا الطفل وذلك الابن قد يكُونُ لدَيْه قلق مكبوت والآباء بعيدين عن هذه المُشْكلة. والحال كذلك مع المُراهِق ذي الأداء الدراسي الضعيف، والَّذي أيضًا قد لا يفتقر إلى الذكاء، ولكنَّه يحتاج إلى النوم الكافي أو الدَّعم العاطفي.
بطبيعة الحال، تُعَد الأمراض المرتبطة بنمط الحياة من أبرز المُشْكلات الصحيَّة الَّتي تؤثِّر على الأطفال في إقليمنا الخليجي. فارتفاع معدَّلات السُّمنة لدى الأطفال، وداء السكَّري من النَّوع الثاني في سنٍّ مبكرة ـ على سبيل المثال ـ لم يَعُدْ أمرًا نادرًا. كيف بمشاكل تعرُّض الأطفال اليوم لفيض من المعلومات غير الدقيقة، وانتشار المقارنة الاجتماعيَّة، والضغوط الرقميَّة في سنٍّ مبكرة. ألَا نلاحظ كيف أنَّ التكنولوجيا توفِّر فرصًا تعليميَّة، إلَّا أنَّها قد تزيد من القلق والعزلة عند الكثير من الأبناء.
لذلك جاء يوم الطفل الخليجي بطريقة وبأخرى؛ لِيناقشَ أهميَّة الطفل ورعايته الوقائيَّة. يَجِبُ ألَّا تقتصر الوقاية على اللقاحات والفحوصات الطبيَّة فحسب، بل المُهمُّ إدراك أنَّها يَجِبُ أن تشملَ بناء بيئات آمنة وتعزيز العادات الصحيَّة، والأجمل تقوية الروابط الأُسريَّة. فالطفل الَّذي يشعر بأنَّه مرئي ومسموع ومحمي، يكُونُ أكثر حظًّا للنُّمو البَدني والنفْسي السليم.
وهذا بالتَّالي يأخذنا إلى الآباء وأهميَّتهم وكيف أنَّ التربية لا تعني الكمال، بل تعني الوجود. فالطفل يستفيد أكثر من الرعاية المستمرة والتوافر العاطفي. كيف لا؟ والتفاعلات اليوميَّة البسيطة كالوجبات المشتركة، ولحظات اللَّعب لها تأثيرات صحيَّة عميقة.
وعليه، وفي يوم الطفل الخليجي، ومن خلال هذه الصحيفة الغرَّاء (الوطن العُمانيَّة) والَّتي دائمًا ما ترسل هكذا رسائل بسيطة وعميقة فإنَّني أذكركم بأنَّ الأطفال لا يحتاجون إلى ظروف مثاليَّة لِينموا نموًّا سليمًا، بل الأصح أنَّهم يحتاجون إلى بالغين متفهِّمين، وبيئات آمِنة. حيثُ إنَّنا يَجِبُ أن ننظر إلى ما هو أبعد من الأعراض والتشخيصات. صحيح أنَّنا كمُجتمعات نحتاج إلى قياس التقدُّم أحيانًا بالبنية الأساسيَّة والتكنولوجيا، لكن يَجِبُ أن نأخذَ بِعَيْنِ الاعتبار النظر إلى رفاهيَّة وسلامة جيلنا الأصغر. وبالتَّالي كأفراد، يدعونا هذا اليوم إلى تذكُّر أنَّ قصَّة صحَّة كُلِّ طفل تبدأ بكيفيَّة رعايتنا لهم اليوم!
ختامًا، أيًّا كان اليوم فهو طبعًا تذكير لنا بأنَّ مرحلة الطفولة نفْسها مرحلة مهمَّة من مراحل الحياة تستحق منَّا الاهتمام والاحترام والرعاية المدروسة.
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي