الزيارة الَّتي قام بها معالي السَّيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجيَّة مؤخرًا لإيران، جاءت في إطار الجهود العُمانيَّة المستمرة؛ لتهدئة الأجواء في المنطقة، ومنع تدهور الأوضاع الأمنيَّة، بعد تلويح الرئيس الأميركي بتوجيه ضربة للجمهوريَّة الإسلاميَّة؛ بحجَّة مسانَدة المتظاهرين الَّذين يتعرضون للقمع في إيران، والَّتي أكد معالي السَّيد وزير الخارجيَّة العُماني أنَّه لم يلحظ أيَّ مظاهر غير طبيعيَّة أثناء وجوده في طهران، وأنَّ الأوضاع مستقرة في الدَّولة الجارة الَّتي تتعرض لحصار سياسي واقتصادي، ودعاية غربيَّة سلبيَّة تستهدف النظام الحاكم الَّذي يخوض مواجهات مستمرة مع الدول الغربيَّة، الَّتي تسعى لحرمان طهران من امتلاك برنامج نووي، بدعوى استخدامه في الأغراض العسكريَّة.
شاركت سلطنة عُمان في الجهود الخليجيَّة المكثَّفة؛ لإقناع الرئيس الأميركي بالعدول عن شن هجوم على إيران، وتوصيل رسالة مفادها أنَّ اللُّجوء للحلِّ العسكري، لن يحلَّ مشاكل المتظاهرين، بل سيؤدي إلى زيادة شَعبيَّة الحكومة والتفاف الشَّعب حَوْلَها، فضلًا عن ردود الفعل الخطيرة الَّتي من الممكن أن تتعرض لها المنطقة، الَّتي لم تكَدْ تتعافى من الضربات السابقة. ويبدو أنَّ الجهود الخليجيَّة نجحت في إقناع ترامب بالعدول عن الضرب، وإعطاء فرصة للجهود الدبلوماسيَّة الَّتي يُمكِن أن تُعزِّز الثقة وتستعيد لُغة الحوار بَيْنَ إيران والولايات المُتَّحدة الأميركيَّة.
استطاعت دول الخليج في الفترة الأخيرة توظيف ثقلها الاقتصادي الكبير في التأثير والضغط على الأطراف المتصارعة؛ لمنعِ التصعيد العسكري الَّذي يضرُّ دول المنطقة، ويقوِّض الاستقرار والأمن ويعرِّض مقدَّرات شعوبها للخطر، ولضمان بقاء دول الخليج بمنأى عن الصراعات الإقليميَّة الَّتي لا تخدم تطلُّعاتها للتنمية والازدهار، والنَّأي عن الحروب والصراعات الَّتي لا تجلب سوى الفقر والدمار.
في الأزمة الأخيرة، أكدت دول الخليج أنَّه ليس من مصلحتها إسقاط نظام الحكم في إيران، وأنَّها لا تريد إعادة إنتاج ما سُمِّي بـ»الربيع العربي» في 2011، عندما اندلعت ثورات وسقطت أنظمة، وعمَّت الفوضى عددًا من الدول العربيَّة، لا تزال تَدور في أتون الصراع والفوضى ومخاطر التقسيم حتَّى اليوم، رغم مرور قرابة خمسة عشر عامًا على الأحداث، الَّتي انكوت بنيرانها كافَّة الدول العربيَّة.
سَعَت دول الخليج ـ منذ تأسيس مجلس التعاون ـ إلى بناء اقتصاد قوي وتنمية مستدامة، والنَّأي بنفْسها عن الصراعات الَّتي تلتهم الموارد وتقوِّض التنمية، واتَّجهت في السنوات الأخيرة إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، من خلال عقد شراكات مع الكيانات الاقتصاديَّة الكبرى في الشرق والغرب، والاستعانة بالخبرات والتكنولوجيا المتقدمة، اللازمة لبناء اقتصاد قوي قادر على التعاطي مع المتغيِّرات الدوليَّة وتذبذب أسعار النفط.
تحركت الدبلوماسيَّة العُمانيَّة سريعًا لمنعِ تدهور الأوضاع في المنطقة، مستفيدةً من العلاقات القويَّة الَّتي تربطها بطهران؛ لتجنيبِ المنطقة مأزقًا كبيرًا كان ينتظرها في حال نفَّذت الولايات المُتَّحدة تهديداتها ووجَّهتْ ضربة لإيران، وقتها ستتحول المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات وتنزلق إلى حلقة مفرغة من التصعيد الَّذي يطول كافَّة دول المنطقة.
تحرص دول الخليج على تحقيق التوازن بَيْنَ علاقاتها مع الجارة الكبرى إيران، وتحالفاتها مع أميركا والغرب، الَّذي تجمعها به علاقات ومصالح متشابكة، وحاولت سلطنة عُمان خلال العقود الماضية إقناع الإدارة الأميركيَّة بالانحياز للمسار الدبلوماسي بديلًا عن التدخل العسكري لتطبيعِ علاقاتها مع إيران منذ سقوط حُكم الشَّاه، الحليف القوي لأميركا في عقد السبعينيَّات، والَّذي كان يُطلَق على إيران تحت حُكمه (شرطي الخليج)، حتَّى أطاحت الثورة الإيرانيَّة بعرشه في العام 1979، وظل تحقيق هذا التوازن هاجسًا يؤرق دول الخليج، كُلَّما نشبت أزمة بَيْنَ إيران والغرب.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري