الجمعة 03 أبريل 2026 م - 15 شوال 1447 هـ

حذار هاوية لا مركزية التسلح

حذار هاوية لا مركزية التسلح
الاثنين - 19 يناير 2026 07:30 ص

أ.د. محمد الدعمي

10


إذا ما سلَّم المرء بالتعريف المدرسي لمفهوم «الدَّولة». ذلك التعريف الَّذي تعلَّمناه عَبْرَ دروس «التربية الوطنيَّة» منذ نعومة أظفارنا، تكُونُ الدَّولة أرضًا معيَّنة الحدود، بمعنى اعترافها هي واعتراف الدول المجاورة لها بتلك الحدود. عِلمًا أنَّ الناس الَّذين يعيشون على تلك الأرض يُشكِّلون «شَعب» هذه الدَّولة.

وبطبيعة الحال، وعلى نَحْوٍ مشابِه للكيان الآدمي (نظريَّة سبنسر، Spenser)، لا بُدَّ لهذه الدَّولة من مركز إداري واستشعاري يقوم بإدارتها، وهو ما نُطلق عليه عنوان «الحكومة»، عامَّة. عِلمًا أنَّه لا يُمكِن لهذه الحكومة الاضطلاع بواجباتها أعلاه دُونَ تشكيل أجهزة خاصَّة تقوم بمسؤوليَّات إدارة تلك الدَّولة والعناية بشَعبها، ناهيك عن حاجتها الماسَّة «لتشكيل عسكري» يضطلع بحماية حدود الدَّولة ويمنع التجاوز عليها أو اختراقها على نَحْوٍ قسري. زدْ على ذلك الجهاز أو التشكيل العسكري (المعروف بـ»الجيش»، أو القوَّات المُسلَّحة)، تتطلب إدارة شؤون الجمهور الَّذي يعيش ويعمل على تلك الأرض لتشكيلات إداريَّة وقسريَّة أخرى لحفظ الأمن الداخلي في تلك الدَّولة، وهي أجهزة الشُّرطة والأمن والاستخبارات، من بَيْنِ سواها.

وتأسيسًا على ما تقدَّم في أعلاه (وبرغم تبسيطه المفرط لتيسير فهمه)، يكُونُ أيُّ اختلال فيما تقدَّم من شروط وجود الدَّولة هو خلل ينال من سيادتها وديمومتها وبقائها كدولة تستحق الاعتراف بها والبقاء.

وعليه، فإنَّ مركزيَّة القوَّات المُسلَّحة بِيَدِ الحكومة هو من أهم أعمدة وجود الدَّولة وديمومتها، ناهيك عن مركزيَّة إدارة وتوجيه أجهزة حفظ الأمن الداخلي والنظام، بوصفها من أهم شروط الدَّولة الناجحة، وليس الدَّولة الفاشلة!

من هنا، يخلُّ أيُّ تشكيل عسكري قسري أو قمعي خارج حدود مركزيَّة الدَّولة بوجودها؛ لأنَّه واستهانة بحدود سُلطتها، كما هي عليه الحال في العديد من الدول الَّتي ابتلعت «لا مركزيَّتها» وجودها الحقيقي بفعل عوامل التجزئة والتَّفتيت، كما هي عليه الحال واضحة في الدول الَّتي تبتلعها مهاوي اللامركزيَّة حد وقوعها ضحيَّة لـ»الميليشيَّات» الصغيرة والكبيرة الَّتي تحيل كُلَّ حي أو كُلَّ بلدة صغيرة إلى منطقة نفوذ لفردٍ أو لمجموعة من الأفراد الَّذين يأتمرون بأمره: هنا مستعمرة لميليشيا، وهناك مستعمرة ثانية لميليشيا أخرى حتَّى وصول الأمور إلى انفجار «الحرب الأهليَّة»، لا سمح الله!

وعليه، عندما طالب مؤيِّدو الزعيم عبدالكريم قاسم يوم حدوث انقلاب عسكري على حكومته (فبراير 1963)، أقول عندما طالبوا بالسلاح لمقاومة الانقلابيين، امتنع الزعيم عن تجهيزهم بالسلاح، رغم هدفهم حمايته والدِّفاع عن نظامه، مفضِّلًا بقاء الدَّولة على السقوط في هاوية الحرب الأهليَّة بَيْنَ مؤيِّديه ومعارضيه يومذاك 1963!

أ.د. محمد الدعمي

كاتب وباحث أكاديمي عراقي