ما تكشفه تقارير الأونروا خلال يناير الجاري يتجاوز توصيف أزمة إنسانيَّة، ويضعنا أمام قرار سياسي مكتمل الأركان يستهدف الشاهد قَبل الضحيَّة؛ فاستهداف منشآت الوكالة في غزَّة، وإغلاق مركزها الصحِّي في القدس المُحتلَّة، وقطع الكهرباء والمياه عن مرافقها، يشير إلى إدراك عميق لدى قوَّة الاحتلال بأنَّ المعركة لم تَعُدْ محصورة في الميدان، وأنَّ الرواية باتت ساحة اشتباك مركزيَّة، فالأونروا في ظلِّ هذا الوضع تُمثِّل ذاكرة مؤسَّسيَّة توثِّق القتل والنزوح والهدم بالأرقام والأسماء، وتربط الجريمة بسياقها التاريخي والقانوني، وهو ما يجعل تحييدها أولويَّة استراتيجيَّة صهيونيَّة، وهو ما يعكس انتقالًا محسوبًا من إدارة الصراع إلى محاولة إعادة تعريفه عَبْرَ تجفيف أدوات التوثيق وتحويل المعاناة إلى حدَث معزول بلا مرجعيَّة دوليَّة فعَّالة. وحين تُستهدف الإغاثة بهذه الصورة، يصبح الهدف أوسع من تعطيل خدمة، ويغدو سعيًا لانتزاع الشرعيَّة عن أيِّ مساءلة قادمة، وفرض صمتٍ إجباري على ذاكرة العالم، لِتتضحَ ملامح معركة كسر الشاهد الدولي؛ بوصفها شرطًا مسبقًا لإطالة أمد الجريمة وتطبيعها داخل المشهد العالمي.
في غزَّة يتكشف نمط مختلف من الحرب، نمط لا يقوم على الحسم السريع، ويقوم على إدارة الإبادة بوصفها واقعًا طويل الأمد؛ فالتصعيد العسكري الصهيوني المتزايد، والسيطرة الميدانيَّة على مساحات واسعة من القِطاع، وتقييد الوصول إلى الأراضي الزراعيَّة والبنية الأساسيَّة، يقترن بمشهد إنساني بالغ القسوة تتحول فيه أساسيَّات الحياة إلى استثناء مؤقت.. فالماء يصل بعد إصلاح شاقٍّ ثم يختلط بالفيضانات الملوَّثة، والمأوى يتحول إلى خيام مؤقتة في مواجهة البرد والمطر، والصحَّة تختزل في نصف مستشفى يعمل بنصف طاقته، والتعليم يدفع إلى مساحات تعلُّم طارئة داخل الملاجئ! وهذا المشهد لا يعكس فوضى حرب، لكنَّه يعكس إدارة دقيقة لوضع إنساني هشٍّ قابل للاستمرار دُونَ انفجار شامل، وضع ينهك المُجتمع ويستنزف قدرته على إعادة بناء ذاته.. وهنا تُعاد صياغة فكرة البقاء نفسها، حيثُ يصبح الهدف إبقاء السكَّان في حالة حياة معلَّقة، لا موت كامل ولا حياة قابلة للاستمرار، في معادلة تُدمج القوَّة العسكريَّة بالضغط الإنساني لإنتاج واقع استنزاف طويل، يُدار بعقل بارد ويسوَّق خارجيًّا كأزمة إنسانيَّة، بَيْنَما جوهره مشروع كسر مُجتمع بأكمله على مهل.
أمَّا في الضفَّة الغربيَّة فيتقدَّم مسار آخر من الحرب، أقلّ ضجيجًا وأكثر عمقًا في الأثر، مسار يعمل على إعادة تشكيل الجغرافيا والديموجرافيا خطوة خطوة؛ فالاقتحامات المتكررة، وهدم المنازل، وتفريغ المُخيَّمات، وتصاعد عنف المستوطنين، وإنشاء بؤر استيطانيَّة جديدة بمحاذاة التجمُّعات السكنيَّة الفلسطينيَّة، وترسم صورة لسياسة مدروسة تقوم على الإزاحة القسريَّة وإعادة توزيع السكَّان بالقوَّة، بالإضافة إلى استهداف المراكز الصحيَّة والتعليميَّة، وإغلاق المُخيَّمات وتحويلها إلى مساحات فارغة، وهو ما يكشف أنَّ الهدف يتجاوز الرَّدع الأمني إلى تفكيك البنية الاجتماعيَّة ذاتها، وتجفيف أيِّ إمكانيَّة لعودة الحياة إلى طبيعتها؛ فالضفَّة هنا تتحول إلى مختبر صامت لمرحلة ما بعد غزَّة، حيثُ تُفرض الوقائع على الأرض بعيدًا عن الكاميرات الكبرى، وبوتيرة تسمح بتطبيع الجريمة داخل الخِطاب الدولي.. وعليه، فإنَّ ما يجري يؤكِّد أنَّ المشروع الصهيوني الغاصب لا يتحرك بردِّ الفعل، وإنَّما يتحرك بمنطق التخطيط الطويل، مستفيدًا من انشغال العالم بغزَّة لتمرير أخطر التَّحوُّلات على الأرض، في مسار يفتح الطريق أمام ضمٍّ فعلي بلا إعلان، ويفرض واقعًا جديدًا يصعب التراجع عنه مع مرور الوقت.
عند هذا الحدِّ تتجاوز الصورة حدود غزَّة والضفَّة، وتتحول فلسطين إلى مرآة فاضحة للنظام الدولي نفْسه؛ فالأرقام معروفة، والشهداء بالآلاف، والجرحى بعشرات الآلاف، والبنية الأساسيَّة مدمَّرة، والمؤسَّسات الإنسانيَّة مستهدفة، وكُلُّ ذلك موثَّق بتقارير أُمميَّة وشهادات ميدانيَّة لا تَقْبل الجدل.. ومع ذلك يبقى الفعل الدّولي غائبًا، وتتحول البيانات إلى طقوس دَوْريَّة بلا أثَر سياسي.. هنا ينكشف الخلل الجوهري في بنية النظام العالمي، حيثُ تتوقف العدالة عند حدود توازن القوَّة، وتصبح الحماية الدوليَّة مفهومًا انتقائيًّا يخضع للحسابات لا للمبادئ، فما يجري في فلسطين يطرح سؤالًا قاسيًا عن معنى القانون الدولي حين يعجز عن حماية المَدنيين، وعن قِيمة المؤسَّسات حين تعجز عن حماية نفسها. ولعلَّ استمرار هذا المسار يرسِّخ واقعًا خطيرًا تتآكل فيه شرعيَّة المنظومة الدوليَّة، ويتحول الصَّمت إلى شراكة غير معلنة في الجريمة.. ففلسطين اليوم لا تطلب تعاطفًا إضافيًّا، لكنَّها تفرض اختبارًا أخلاقيًّا شاملًا على العالم؛ فإمَّا نظام قادر على إنفاذ مبادئه، أو عالم يُدير الظلم تحت عناوين قانونيَّة فارغة.