غالبيَّتنا سمع بقصَّة الشخص الَّذي كان يقود سيَّارته في الطريق وكان يقيِّم الناس إذا كانت مسرعة أم بطيئة بمقياس سرعته هو، فمَن تجاوزه كانت سرعته عالية، ومَن كان يمشي أقلَّ منه فهو بطيء في سياقته، دُونَ أن يكُونَ هنالك معيار واضح ومحدَّد لقياس هذا السلوك، فقط المعيار الشخصي الَّذي وضعه صاحب السيَّارة.. واقعيًّا نعيش وفْقَ نظريَّة صاحب السيَّارة في بعض المُجتمعات الَّتي لا يوجد لدَيْها معايير للحُكم غير أهوائها الشخصيَّة؛ وبالتَّالي نعيش في وضع يؤثِّر سلبًا على تطوُّر حياتنا العمليَّة والعلميَّة، فتندثر المواهب وتحبط ولا تجد سبيلًا للتفوق وذلك لغياب الموضوعيَّة في الحكم.
والحقيقة أنَّ هذا الأمر ليس بجديد، فكثير من الكتَّاب والأُدباء والمخترعين على مرِّ التاريخ واجهوا مثل هذه العقبات؛ ذلك أنَّ الَّذين يقيِّمون عملهم ليسوا بذات الكفاءة والمعياريَّة الَّتي يُمكِن الوثوق بها لإنصافهم ووضعهم على الطريق الصحيح.. من هنا تنبَّه الكثير من الدول الَّتي أرادت أن تكُونَ متقدمة إلى هذا الجانب، وأنشئت المؤسَّسات والمراكز الدَّاعمة لهذا التوجُّه؛ لأنَّها أيقنت أنَّها ستهدر كنزًا عظيمًا إذا لم تستثمره، بل وفي سياق التنافس الدولي على المواهب في مختلف المجالات يقاس حاليًّا سرّ تقدُّم الدَّولة بمحافظتها ودعمها لشبابها في مختلف المجالات، ويقاس تخلُّف الدول في تفريطها بهذه المواهب، وما دولة كالولايات المُتَّحدة الأميركيَّة إلَّا نموذج واقعي لاستقطاب المواهب مهما اختلفت جنسيَّاتهم ودياناتهم وخلفيَّاتهم الثقافيَّة، بل إنَّ بعض الدول وضعت برامج خاصَّة قَبل دخول الطالب للمرحلة الجامعيَّة لاكتشاف ميوله ورغباته وتوجيهه باتِّجاهها عَبْرَ برامج مصمَّمة خصيصًا لهذا الجانب بغية تنمية إمكاناتها الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة إدراكًا منها أنَّ الإنسان هو المورد الحقيقي للتطوُّر الحضاري، فالموارد الطبيعيَّة قابلة للنضوب بعكس المورد البشري.. وخير مثال على ذلك سنغافورة الَّتي لا تمتلك سوى هذا المورد والَّذي يُعَدُّ قوَّة اقتصاديَّة لا يستهان بها انعكس على قوَّة جواز سفرها الَّذي يُعَدُّ الأول عالميًّا؛ نظرًا لإدراكها أهميَّة هذا الجانب. ينعقد لدَيْنا الكثير من المسابقات خصوصًا تلك المرتبطة بمجال البحوث والدراسات، فتجد الكثير من النتائج الَّتي تسفر عنها بعيدة عن الواقعيَّة والمنطق؛ وذلك لعدم وجود معايير حقيقيَّة للتقييم! والأدهى أنَّ مَن يمارس التقييم في أحيان كثيرة هم فئة لم يَنشر كثير منها ولو بحثًا واحدًا في مجلة علميَّة مختصَّة، وتجده في موضع تقييم بحوث ودراسات على مستوى عالٍ، ولأشخاص أخبر منه في هذا المجال، وهنالك مؤتمرات لا تعرف كيف يتمُّ اختيار أوراق العمل الَّتي ستُعرض بها لتتفاجأ بمستوى أوراق عمل أقلّ من ذلك المستوى الَّذي قدَّمه البعض، ولن أُعِيدَ ما كتبتُه عن موضوع اللوبيَّات الَّتي تُدير مثل هذه الفعاليَّات؛ فالأمر هنا مرتبط بالمعايير قَبل كُلِّ شيء، والمعايير الواضحة فقط هي الأهواء الشخصيَّة، والدليل عدم قدرة القائمين على هذه الفعاليَّات على تقديم تغذية راجعة حَوْلَ أسباب عدم قَبول بحث أو دراسة معيّنة أو لماذا فاز هذا البحث دُونَ غيره من البحوث، وفي أحيان كثيرة الهدف ليس التشكيك بقدر ما هو الاستفادة والمعالجة والتصحيح للمسار.. طبعًا إذا كان الأساس والمعايير صحيحة وواقعيَّة ويُمكِن الانطلاق منها، أمَّا إذا كانت غير ذلك فهي لن تكُونَ موجودة من الأساس. إنَّ هذا الأسلوب الإقصائي الَّذي يمارس في مثل هذه الحالات لهو واقعي احتراق نفسي يصعب تجاوزه من قِبل الفئة الَّتي لا تجد ردًّا واضحًا وصريحًا، ولا تستطيع أن تعدل مسارها؛ لأنَّها بلا مسار أصلًا؛ ذلك أنَّ عدم وجود معايير واضحة يجعلنا أسْرَى لنظريَّة صاحب السيَّارة الَّذي يمارس التقييم وفْقَ مستواه وأهوائه الشخصيَّة دُونَ أن يلتفتَ لمعيار السرعة المحدَّد للطريق، والأمر يُمكِن قياسه على مجالات وجوانب يضيق المقال لتوضيحها.
د. خصيب بن عبدالله القريني